قال الشيخ/ الزرقاني في (مناهل العرفان)
التفسير الإشاري لا يكون مقبولا إلا بشروط خمسة وهي:
ألا يتنافى وما يظهر من معنى النظم الكريم.
ألا يدعى أنه المراد وحده دون الظاهر.
ألا يكون تأويلا بعيدا سخيفا كتفسير بعضهم قوله تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} بجعل كلمة {لَمَعَ} ماضيا وكلمة {الْمُحْسِنِينَ} مفعوله.
ألا يكون له معارض شرعي أو عقلي.
أن يكون له شاهد شرعي يؤيده. اهـ (مناهل العرفان. 2/ 81)
ثم نقل العلامة (الزرقاني) كلاما رائقا فائقا عن حجة الإسلام (الغزالي) هذا نصه:
وأما الشطح: فنعني به صنفين من الكلام أحدثه بعض الصوفية.
أحدهما: الدعاوى الطويلة العريضة في العشق مع الله تعالى والوصال المغني عن الأعمال الظاهرة حتى ينتهي قوم إلى دعوى الاتحاد وارتفاع الحجاب والمشاهدة بالرؤية والمشافهة بالخطاب، فيقولون: قيل لنا كذا، وقلنا كذا، ويتشبهون فيه بالحسين بن منصور الحلاج الذي صلب لأجل إطلاقه كلمات من هذا الجنس، ويستشهدون بقوله أنا الحق، وبما حكي عن أبي يزيد البسطامي أنه قال: سبحاني سبحاني، وهذا فن من الكلام عظيم ضرره في العوام، حتى ترك جماعة من أهل الفلاحة فلاحتهم وأظهروا مثل هذه الدعاوى، فإن هذا الكلام يستلذه الطبع إذ فيه البطالة من الأعمال مع تزكية النفس بدرك المقامات والأحوال، فلا تعجز الأغبياء عن دعوى ذلك لأنفسهم ولا عن تلقف كلمات مخبطة مزخرفة، ومهما أنكر عليهم ذلك لم يعجزوا عن أن يقولوا: هذا إنكار مصدره العلم والجدل، والعلم حجاب، والجدل عمل النفس، وهذا الحديث لا يلوح إلا من الباطن بمكاشفة نور الحق، فهذا ومثله مما قد استطار في البلاد شرره وعظم في العوام ضرره، حتى من نطق بشيء منه فقتله أفضل في دين الله من إحياء عشرة، وأما أبو يزيد البسطامي رحمه الله فلا يصح عنه ما يحكى وإن سمع ذلك منه، فلعله كان يحكيه عن الله عز وجل في كلام يردده في نفسه، كما لو سمع وهو يقول: «إنني أنا الله لا إله إلاّ أنا فاعبدني» فإنه ما كان ينبغي أن يفهم منه ذلك إلا على سبيل الحكاية.
الصنف الثاني: من الشطح كلمات غير مفهومة لها ظواهر رائقة وفيها عبارات هائلة وليس وراءها طائل، وذلك إما أن تكون غير مفهومة عند قائلها بل يصدرها عن خبط في عقله وتشويش في خياله لقلة إحاطته بمعنى كلام قرع سمعه وهذا هو الأكثر. وإما أن تكون مفهومة وله ولكنه لا يقدر على تفهيمها وإيرادها بعبارة تدل على ضميره، لقلة ممارسته للعلم وعدم تعلمه طريق التعبير عن المعاني بالألفاظ الرشيقة، ولا فائدة لهذا الجنس من الكلام إلا أنه يشوش القلوب ويدهش العقول ويحير الأذهان، أو يحمل على أن يفهم منها معاني ما أريدت بها ويكون فهم كل واحد على مقتضى هواه وطبعه. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «ما حَدَّثَ أَحَدُكُمْ قَوْماً بِحَدِيثٍ لا يَفْقَهُونَهُ إِلاَّ كَانَ فِتْنَةً عَلَيْهِمْ» ، وقال صلى الله عليه وسلم: «كَلِّمُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ وَدَعُوا ما يُنْكِرُونَ أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟» وهذا فيما يفهمه صاحبه ولا يبلغه عقل المستمع، فكيف فيما لا يفهمه قائله. فإن كان يفهمه القائل دون المستمع فلا يحل ذكره.
وقال عيسى عليه السلام: لا تضعوا الحكمة عند غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم، كونوا كالطبيب الرفيق يضع الدواء في موضع الداء. وفي لفظ آخر: من وضع الحكمة في غير أهلها فقد جهل، ومن منعها أهلها فقد ظلم؛ إن للحكمة حقاً وإن لها أهلاً، فأعط كل ذي حق حقه.
وأما الطامات فيدخلها ما ذكرناه في الشطح؛ وأمر آخر يخصها وهو صرف ألفاظ الشرع عن ظواهرها المفهومة إلى أمور باطنة لا يسبق منها إلى الأفهام فائدة، كدأب الباطنية في التأويلات؛ فهذا أيضاً حرام وضرره عظيم؛ فإن الألفاظ إذا صرفت عن مقتضى ظواهرها بغير اعتصام فيه بنقل عن صاحب الشرع ومن غير ضرورة تدعو إليه من دليل العقل اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ وسقط به منفعة كلام الله تعالى وكلام رسوله؛ فإن ما يسبق منه إلى الفهم لا يوثق به والباطن لا ضبط له، بل تتعارض فيه الخواطر ويمكن تنزيله على وجوه شتى؛ وهذا أيضاً من البدع الشائعة العظيمة الضرر، وإنما قصد أصحابها الإغراب؛ لأن النفوس مائلة إلى الغريب ومستلذة له؛ وبهذا الطريق توصل الباطنية إلى هدم جميع الشريعة بتأويل ظواهرها وتنزيلها على رأيهم كما حكيناه من مذاهبهم في كتاب المستظهر المصنف في الرد على الباطنية: ومثال تأويل أهل الطامات قول بعضهم في تأويل قوله تعالى: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} أنه إشارة إلى قلبه وقال هو المراد بفرعون وهو الطاغي على كل إنسان. وفي قوله تعالى: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} أي ما يتوكأ عليه ويعتمده مما سوى الله عز وجل فينبغي أن يلقيه. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السُّحورِ بَرَكَةً» أراد به الاستغفار في الأسحار وأمثال ذلك حتى يحرفون القرآن من أوله إلى آخره عن ظاهره، وعن تفسيره المنقول عن ابن عباس وسائر العلماء وبعض هذه التأويلات يعلم بطلانها قطعاً، كتنزيل فرعون على القلب؛ فإن فرعون شخص محسوس تواتر إلينا النقل بوجوده ودعوة موسى له، كأبي جهل وأبي لهب وغيرهما من الكفار وليس من جنس الشياطين والملائكة مما لم يدرك بالحس حتى يتطرق التأويل إلى ألفاظه، وكذا حمل السحور على الاستغفار، فإنه كان يتناول الطعام ويقول: «تَسَحَّرُوا» و «هَلُمُّوا إِلَى الغِذَاءِ المُبَارَكِ» فهذه أمور تدرك بالتواتر والحس بطلانها نقلاً، وبعضها يعلم بغالب الظن، وذلك في أمور لا يتعلق بها الإحساس؛ فكل ذلك حرام وضلالة وإفساد للدين على الخلق، ولم ينقل شيء من ذلك عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن الحسن البصري مع إكبابه على دعوة الخلق ووعظهم، فلا يظهر لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ فَسَّرَ القُرْآنَ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» معنى إلا هذا النمط: وهو أن يكون غرضه ورأيه تقرير أمر وتحقيقه، فيستجر شهادة القرآن إليه، ويحمله عليه، من غير أن يشهد لتنزيله عليه دلالة لفظية لغوية أو نقلية، ولا ينبغي أن يفهم منه أنه يجب أن لا يفسر القرآن بالاستنباط والفكر، فإن من الآيات ما نقل فيها عن الصحابة والمفسرين خمسة معان وستة وسبعة. ونعلم أن جميعها غير مسموع من النبي، فإنها قد تكون متنافية لا تقبل الجمع، فيكون ذلك مستنبطاً بحسن الفهم وطول الفكر، ولهذا قال لابن عباس رضي الله عنه: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» .
ومن يستجيز من أهل الطامات مثل هذه التأويلات مع علمه بأنها غير مرادة بالألفاظ، ويزعم أنه يقصد بها دعوة الخلق إلى الخالق يضاهي من يستجيز الاختراع والوضع على رسول الله صلى الله عليه وسلّم لما هو في نفسه حق ولكن لم ينطق به الشرع، كمن يضع في كل كل مسألة يراها حقاً حديثاً عن النبي فذلك ظلم وضلال ودخول في الوعيد المفهوم من قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» بل الشر في تأويل هذه الألفاظ أطم وأعظم، لأنها مبطلة للثقة بالألفاظ، وقاطعة طريق الاستفادة والفهم من القرآن بالكلية فقد عرفت كيف صرف الشيطان دواعي الخلق عن العلوم المحمودة إلى المذمومة، فكل ذلك من تلبيس علماء السوء بتبديل الأسامي، فإن اتبعت هؤلاء اعتماداً على الاسم المشهور من غير التفات إلى ما عرف في العصر الأول كنت كمن طلب الشرف بالحكمة باتباع من يسمى حكيماً، فإن اسم الحكيم صار يطلق على الطبيب والشاعر والمنجم في هذا العصر، وذلك بالغفلة عن تبديل الألفاظ. اهـ (إحياء علوم الدين. 1/ 36 - 38) .