يقول العلامة الشيخ محمد أبو زهرة - رحمه الله:
وإن الطريقة المثلى التي توصل إلى الغاية فِي فهم القرآن، وتعرف معانيه، وإدراك دلائل إعجازه هي الاعتماد على النقل والعقل، فلا يصح الاقتصار على النقل وحده، ولا على العقل وحده، وإنما النظر الأمثل هو أن يعتمد على العقل والرأي وعلى السماع من أقوال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فِي فهم القرآن، فظواهر القرآن من الألفاظ، والآثار التي تعاضد الظاهر، لَا تكفي وحدها بل تساعد العقل، وتفتح له السبل لاستخراج معاني القرآن المتسعة الأفق البعيدة المدى التي توجه الفكر إلى أعمق الحقائق العلمية والكونية والنفسية، وكلما تفتح العقل فِي ظل إدراك الألفاظ وظواهر اللغة أدرك إدراكا صحيحا ما تشير إليه الحقائق الكونية، وما يشير إليه القرآن.
وإنه كلما اتسع أفق العقل البشري فِي فهم الكون والحقائق والشرائع اتسع فهمه للقرآن الكريم، ولعل هذا هو الحقيقة التي أشار إليها بعض الصحابة، إذ روي عن أبي الدرداء أنه قال:"لا يفقه الرجل، حتى يجعل للقرآن وجوهاً"
أي اتجاهات متلاقية، ولكن بعضها أعمق من بعض، وكله حق.
وروي عن ابن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن للقرآن ظاهرا وباطناً (1) "
وليس هو الباطن الذي يقوله الباطنية، إنما الباطن الذي أشار إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الباطن الذي تدل عليه إشارات العبارات القرآنية، من أسرار الإعجاز البياني، وإلى ما تشير إليه من حقائق كونية ونفسية وخلقية وأحكام عملية، وغير ذلك من المعاني التي يدركها العالم المتعمق ذو البصيرة النيرة الذي آتاه الله تعالى نفاذ بصيرة، واستقامة فكر، كالذي يدركه علماء الأكوان فِي قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ(30)
فالمعنى الظاهر لكل مُلمٍّ باللغة العربية هو أن السماوات والأرض كانتا متصلتين، وهذا معنى سليم هو الظاهر، والعالم المدرك للأكوان الباحث فيها يعرف كيف كانت السماء والأرض كتلة واحدة، وكيف انفصلت الأرض وتكونت عليها القشرة الأرضية، وكيف كان الماء العذب، والملح الأجاج.
وهكذا نجد أن كل تالي للقرآن يدرك من معانيه بمقدار إدراكه وعلمه.
والغزالي يقرر أن المعاني اللغوية، وما يشير إليه النقل والسماع هو المفتاح والطريق للمعنى العميق الذي يدركه الناس كلما تفتقت العقول واتسعت المدارك واطلعت على حقائق الكون، وأدركت معاني الآيات الطالبة للنظر فِي الكون، فهو اللوح الذي كتبت فيه حقائق هذا الوجود، وفيه الدلالة على وجود الله تعالى، وإبداعه.
ويقول الغزالي فِي ذلك:"العقل والسماع لابد منهما فِي ظاهر التفسير أولا؛ ليتقى به مواضع الغلط ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط واستخراج الغرائب التي لَا تفهم إلا بالسماع، ولا مطمع فِي الدخول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر، ومن ادعى فهم أسرار القرآن وهو لم يحكم التفسير الظاهر فهو كمن يريد البلوغ إلى صدر البيت قبل مجاوزة الباب، أو يدعي فهم مقاصد الأتراك من كلامهم وهو لَا يفهم لغة الترك، فإن ظاهر التفسير يجري مجرى تعلم اللغة التي لابد منها للفهم."
والمعنى الباطن الذي جاء على حكم الغزالي ليس هو ما عند الباطنية كما ذكرنا، إنما هو تحري الدقائق التي تكون فِي مطويِّ ألفاظ القرآن، والأسرار التي لا يدركها إلا العلماء المتخصصون فِي العلوم المختلفة كل بمقدار طاقته فِي علمه بعد فهم ظاهر اللفظ وما فيه من مجاز وحذف وإضمار، وعموم وخصوص، وإطلاق وتقييد.
ويقول حجة الإسلام عمّا فيه من أسرار ما نصه:"وإنما ينكشف للراسخين في العلم من أسرار بقدر غزارة علومهم وصفاء قلوبهم، وتوفر دواعيهم على التدبر، وتجردهم للطلب، ويكون لكل واحد حد فِي الترقي إلى درجة أعلى منه، أما الاستيفاء فلا مطمع فيه ولو كان البحر مدادا والأشجار أقلامًا، فأسرار كلمات الله تعالى لَا نهاية لها، فمن هذا الوجه يتفاوت الخلق فِي الفهم بعد معرفة ظاهر التفسير، وظاهر التفسير لَا يغني عنه".
هذا ما نقلناه عن الغزالي وذلك ما قاله ابن تيمية، ونحن بلا ريب نأخذ برأي الغزالي وعليه سار المفسرون، حتى مُفسرو الروية، فإنهم لَا يردونه، حتى شيخ المفسرين محمد بن جرير الطبري، فاختياره من أقوال التابعين فيه عمق، واتجاه إلى تعرف الأسرار فِي الألفاظ القرآنية، والعبارات، واستقصاء المعاني. اهـ (زهرة التفاسير. 1/ 35 - 37) .
(1) أخرجه ابن حبان فِي صحيحه وذكره العراقي فِي تخريج أحاديث الإحياء حـ 1 - ص 99.