فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 159 من 466147

ومن ذلك - أيضا - ما ذكره الطبري - وقد جانبه الصواب عفا الله عنه - عند تفسيره لقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ...(260)}

قال: وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلَ فِي سَبَبِ مَسْأَلَةِ إِبْرَاهِيمَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ كَيْفَ يُحْيِي الْمَوْتَى؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَتْ مَسْأَلَتُهُ ذَلِكَ رَبَّهُ أَنَّهُ رَأَى دَابَّةً قَدْ تَقَسَّمَتْهَا السِّبَاعُ وَالطَّيْرُ، فَسَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ كَيْفِيَّةَ إِحْيَائِهِ إِيَّاهَا مَعَ تَفَرُّقِ لُحُومِهَا فِي بُطُونِ طَيْرِ الْهَوَاءِ وَسِبَاعِ الْأَرْضِ لِيَرَى ذَلِكَ عِيَانًا، فَيَزْدَادَ يَقِينًا بِرُؤْيَتِهِ ذَلِكَ عِيَانًا إِلَى عِلْمِهِ بِهِ خَبَرًا، فَأَرَاهُ اللَّهُ ذَلِكَ مَثَلًا بِمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِهِ.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ سَبَبُ مَسْأَلَتِهِ رَبَّهُ ذَلِكَ، الْمُنَاظَرَةَ وَالْمُحَاجَّةَ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نُمْرُوذَ فِي ذَلِكَ.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَتْ مَسْأَلَتُهُ ذَلِكَ رَبَّهُ عِنْدَ الْبِشَارَةِ الَّتِي أَتَتْهُ مِنَ اللَّهِ بِأَنَّهُ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا، فَسَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ عَاجِلًا مِنَ الْعَلَامَةِ لَهُ عَلَى ذَلِكَ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ بِأَنَّهُ قَدِ اصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ خَلِيلًا، وَيَكُونُ ذَلِكَ لِمَا عِنْدَهُ مِنَ الْيَقِينِ مُؤَيِّدًا.

وَقَالَ آخَرُونَ: قَالَ ذَلِكَ لِرَبِّهِ؛ لِأَنَّهُ شَكَّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى.

ثم قال: وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ، مَا صَحَّ بِهِ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى، قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ» وَأَنْ تَكُونَ مَسْأَلَتُهُ رَبَّهُ مَا سَأَلَهُ أَنْ يُرِيَهُ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى لِعَارِضٍ مِنَ الشَّيْطَانِ عَرَضَ فِي قَلْبِهِ. انتهى كلامه.

قال العلامة ابن عطية:

وَمَا تَرْجَمَ بِهِ الطَّبَرِيُّ عِنْدِي مَرْدُودٌ، وَمَا أُدْخِلَ تَحْتَ التَّرْجَمَةِ مُتَأَوَّلٌ، فَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: (هِيَ أرجى آية) فمن حيث فيها الإدلال عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَسُؤَالُ الْإِحْيَاءِ فِي الدُّنْيَا وَلَيْسَتْ مَظِنَّةَ ذَلِكَ.

وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: هِيَ أَرْجَى آيَةٍ لِقَوْلِهِ (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) أَيْ إِنَّ الْإِيمَانَ كَافٍ لَا يُحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى تَنْقِيرٍ وَبَحْثٍ.

وَأَمَّا قَوْلُ عَطَاءٍ: (دَخَلَ قَلْبَ إِبْرَاهِيمَ بَعْضُ مَا يَدْخُلُ قُلُوبَ النَّاسِ"فَمَعْنَاهُ مِنْ حَيْثُ الْمُعَايَنَةُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ) فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ شَاكًّا لَكُنَّا نَحْنُ أَحَقُّ بِهِ وَنَحْنُ لَا نَشُكُّ فَإِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَحْرَى أَلَّا يَشُكَّ، فَالْحَدِيثُ مَبْنِيٌّ عَلَى نَفْيِ الشَّكِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَالَّذِي رُوِيَ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (ذَلِكَ مَحْضُ الْإِيمَانِ) إِنَّمَا هُوَ فِي الْخَوَاطِرِ الَّتِي لَا تَثْبُتُ، وَأَمَّا الشَّكُّ فَهُوَ تَوَقُّفٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَذَلِكَ هُوَ الْمَنْفِيُّ عَنِ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَإِحْيَاءُ الْمَوْتَى إِنَّمَا يَثْبُتُ بِالسَّمْعِ وَقَدْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَعْلَمَ بِهِ، يَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) فَالشَّكُّ يَبْعُدُ عَلَى مَنْ تَثْبُتُ قَدَمُهُ فِي الْإِيمَانِ فَقَطْ فَكَيْفَ بِمَرْتَبَةِ النُّبُوَّةِ وَالْخُلَّةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ مَعْصُومُونَ مِنَ الْكَبَائِرِ وَمِنَ الصَّغَائِرِ الَّتِي فِيهَا رَذِيلَةٌ إِجْمَاعًا."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت