(قواعد وفوائد)
وهذه أصولٌ وقواعد مهمةٌ يحسن التنبيه عليها قبل الخوض فِي التفسير، وسوف نشفعها - إن شاء الله - بأبحاث شافية وكافية - ينشرح له الصدر - في هذا الجانب لاحقًا
نذكر منها الآن - على سبيل المثال لا الحصر - ما يلي:
* قال الثعالبي فِي تفسيره (الجواهر الحسان) ما نصه:
"وليس لأحدٍ معَ الحديثِ: إذا صَحَّ نَظَرٌ"اهـ (الجواهر الحسان. 5/ 247) .
أقول: وهذا أصل عظيم لا يجوز العدول عنه، فكلام النبي - صلى الله عليه وسلم - سيد الكلام، تجب له الصدارة، ويقدم على كلام غيره، بل يلزم الكل اتباعه - صلى الله عليه وسلم - وموافقته، لأنه وحي من عند الله قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) }
وقال العلامة ابن جزي الكلبي:
وأما الحديث فيحتاج المفسر إلى روايته وحفظه لوجهين:
الأول: أن كثيرا من الآيات فِي القرآن نزلت فِي قوم مخصوصين، ونزلت بأسباب قضايا وقعت فِي زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الغزوات والنوازل والسؤالات ولا بد من معرفة ذلك ليعلم فيمن نزلت الآية وفيما نزلت ومتى نزلت، فإن الناسخ يبنى على معرفة تاريخ النزول؛ لأن المتأخر ناسخ للمتقدم.
الثاني: أنه ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كثير من تفسير القرآن فيجب معرفته لأن قوله عليه السلام مقدم على أقوال الناس. اهـ (التسهيل لعلوم التنزيل. 1/ 17) .
ومن أمثلة ذلك ما ذكره بعض المفسرين فِي المراد من الكوثر عند قوله تعالى {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) }
قال ابن الجوزي:
وفي «الكوثر» ستة أقوال.
أحدها: أنه نهر فِي الجنة.
روى البخاري فِي أفراده من حديث أنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"بينا أنا أسير فِي الجنة إذا بنهر حافتاه قباب الدُّرِّ المجوَّف."
قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك عز وجل، فإذا طِينُه، أو طيبه، مسك أذفر"."
وروى مسلم أيضاً فِي أفراده من حديث أنس أيضاً قال:"أغفى رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسِّماً إما قال لهم، وإما قالوا له: لم ضَحِكْتَ؟ فقال: «إنه أُنزل عليَّ الآن آنفاً سورة» فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم {إنا أعطيناك الكوثر} حتى ختمها."
وقال: «هل تدرون ما الكوثر؟» فقالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: «هو نهر أعطانيه ربي عز وجل فِي الجنة عليه خير كثير تَرِدُ عليه أُمتي يوم القيامة آنيته عدد كواكب السماء، يختلج العبد منهم، فأقول: يا رب إنه من أمتي، فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» "."
والثاني: أن الكوثر: الخير الكثير الذي أُعْطِيَ نبيُّنا صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس.
والثالث: العلم والقرآن، قاله الحسن.
والرابع: النبوة، قاله عكرمة.
والخامس: أنه حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يكثر الناس عليه، قاله عطاء.
والسادس: أنه كثرة أتباعه، وأمته، قاله أبو بكر بن عياش. انتهى انتهى. {زاد المسير حـ 9 صـ 247 - 249}
أقول: الحديث كما ترى رواه الشيخان، وكلام النبي - صلى الله عليه وسلم - مقدَّم على كلام غيره، والقول ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن ثَمَّ فلا يجوز العدولُ عنه إلى قول غيره.