ومن ذلك ما ذكره الشيخ/ محمد الطاهر بن عاشور عند قوله تعالى في سُورَةِ الشُّعَرَاء (قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ(18)
حيث قال:
وَالْوَلِيدُ: الطِّفْلُ مِنْ وَقْتِ وِلَادَتِهِ وَمَا يُقَارِبُهَا فَإِذَا نَمَى لَمْ يُسَمَّ وَلِيدًا وَسُمِّي طِفْلًا، وَيَعْنِي بِذَلِكَ الْتِقَاطَهُ مِنْ نَهْرِ النِّيلِ.
وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى رُبِّيَ عِنْدَ (رَعَمْسِيسَ الثَّانِي) مِنْ مُلُوكِ الْعَائِلَةِ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ مِنْ عَائِلَاتِ فَرَاعِنَةِ مِصْرَ حَسَبَ تَرْتِيبِ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْمُؤَرِّخِينَ.
وَخَرَجَ مُوسَى مِنْ مِصْرَ بَعْدَ أَنْ قَتَلَ الْقِبْطِيَّ وَعُمُرُهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْنَاهُ حُكْمًا إِلَى قَوْلِهِ:(وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ) [الْقَصَص: 14، 15] الْآيَةَ. وَبُعِثَ وَعُمُرُهُ ثَمَانُونَ سَنَةً حَسْبَمَا فِي التَّوْرَاةِ.
وَكَانَ فِرْعَوْنُ الَّذِي بُعِثَ إِلَيْهِ مُوسَى هُوَ (مِنْفِتَاحُ الثَّانِي ابْن رَعْمَسِيسَ الثَّانِي) وَهُوَ الَّذِي خَلَفَهُ فِي الْمُلْكِ بَعْدَ وَفَاتِهِ أَوَاسِطَ الْقَرْنِ الْخَامِسَ عَشَرَ قَبْلَ الْمَسِيحِ، فَلَا جَرَمَ كَانَ مُوسَى مُرَبَّى وَالِدِهِ، فَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا، وَلَعَلَّهُ رُبِّيَ مَعَ فِرْعَوْنَ هَذَا كالأخ (1) .
والسنين الَّتِي لَبِثَهَا مُوسَى فِيهِمْ هِيَ نَحْوُ أَرْبَعِينَ سَنَةً. اهـ {التحرير والتنوير. 19/ 110} .
ومن ذلك تأويل ناقة صالح - عليه السلام - بأنها رمز.
وتأويل الهدهد في قصة سليمان - عليه السلام - بأنه رجل وليس طائرا.
وتأويل النمل بأنهم قوم ضعاف.
وتأويل طمس الوجوه بردها عن الحق.
هذا - وسيأتي في هذا الشأن بحث نفيس وقيم بعنوان (المعجزات والغيبيات بين بصائر التنزيل ودياجير الإنكار والتأويل، للدكتور/ عبد الفتاح إبراهيم سلامه) عند قوله تعالى في سورة البقرة: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) } .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أقول:
لا يخفى ما في هذا الكلام من البعد البعيد، فضلا عن مخالفته لما عليه جمهور أهل العلم من أن فرعون الذي أُرسل إليه موسى هو نفسه الذي ربَّى موسى - عليه السلام -، والتوراة والتاريخ كلاهما لا يصلح للاحتجاج. والله أعلم.