غير أن هذا المسلك قد أغضب العلاَّمة ابن قتيبة وأهاجه عليهم فانتقدهم انتقاضا مراً لاذعاً فِي كتابه"تأويل مختلف الحديث"، وإليك ما قاله بنصه لتقف على ما كان بين الفريقين - فريق أهل السُّنَّة وفريق المعتزلة - من جدال ومحاورة، وليتبين لك مقدار الميل بالعبارات القرآنية إلى ناحية المذهب والعقيدة من كبار شيوخ المذهب الاعتزالى.
قال أبو محمد:"وفسَّروا - أي المعتزلة - القرآن بأعجب تفسير، يريدون أن يردوه إلى مذهبهم، ويحملوا التأويل على نحلهم، فقال فريق منهم فِي قوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} أي علمه، وجاءوا على ذلك بشاهد لا يُعرف، وهذا قول الشاعر:"
*ولا بكرْسئُ علم الله مخلوق*
كأنه عندهم: ولا يعلم علم الله مخلوق. والكرسى غير مهموز، وبكرسئ مهموز، يستوحشون أن يجعلوا لله تعالى كرسياً أو سريراً، ويجعلون العرش شيئاً آخر، والعرل لا تعرف من العرش إلا السرير وما عرش من السقف والآبار، يقول الله تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ} .. أي السرير، وأمية بن أبى الصلت يقولو:
*مَجِّدوا الله، وهو للمجد أهل * ربنا فِي السماء أمسى كبيرا*
*بالبناء الأعلى الذي سبق النا * س وسوَّى فوق السماء سريرا*
*شَرْ جَعاً ما يناله العيـ * ـن ترى دونه الملائك صورا*
وقال فريق منهم فِي قوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} : إنها هَمَّتْ بالفاحشة، وهمَّ هو بالفرار منها أو الضرب لها، والله تعالى يقول: {لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} أفتراه أراد الفرار منها أو الضرب لها، فلما رأى البرهان أقام عندها؟ وليس يجوز فِي اللغة أن تقول: هممتُ بفلان وهَمَّ بي، وأنت تريد اختلاف الهمَّين حتى تكون أنت تهم بإهانته ويهم هو بإكرامك، وإنما يجوز هذا الكلام إذا اتفق الهمَّان.