* ومنها: (موقفنا من آيات الصفات)
فالذي ندين لله تعالى به هو ما عليه سلف الأمة - رحمهم الله تعالى.
ومن باب الأمانةِ العلميةِ وتتميماً للبحث، وإمعاناً فِي إحقاقِ الحقِّ فقد نقلتُ بِكلِّ أمانةٍ آرَاءَ وأقوالَ وأدلةَ المخالفين، ونظرا لضخامة حجم الكتاب فإنه يصعب التتبع والتعقب لجميع أقوال المخالفين، فلا يُعْترَض على ما ذُكِرَ في بعض هذه المواضع توهمًا أننا نقر تلك الأقوال - معاذ الله - فأحسِنِ الظنَّ بالفقير الضعيف جامع هذه السطور، فحسن الظن من أخلاق أهل السبق والفضل، لهذا وغيره ذكرنا هذه القواعد والتنبيهات.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله:
الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَبِمَا وَصَفَتْهُ بِهِ رُسُلُهُ: نَفْيًا وَإِثْبَاتًا؛ فَيُثْبِتُ لِلَّهِ مَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ وَيَنْفِي عَنْهُ مَا نَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ.
وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ طَرِيقَةَ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا إثْبَاتُ مَا أَثْبَتَهُ مِنْ الصِّفَاتِ مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ وَمِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ.
وَكَذَلِكَ يَنْفُونَ عَنْهُ مَا نَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ مَعَ إثْبَاتِ مَا أَثْبَتَهُ مِنْ الصِّفَاتِ مِنْ غَيْرِ إلْحَادٍ: لَا فِي أَسْمَائِهِ وَلَا فِي آيَاتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَمَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} الْآيَةَ. فَطَرِيقَتُهُمْ تَتَضَمَّنُ إثْبَاتَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مَعَ نَفْيِ مُمَاثَلَةِ الْمَخْلُوقَاتِ: إثْبَاتًا بِلَا تَشْبِيهٍ وَتَنْزِيهًا بِلَا تَعْطِيلٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .
فَفِي قَوْلِهِ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} رَدٌّ لِلتَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ، وَقَوْلُهُ: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} . رَدٌّ لِلْإِلْحَادِ وَالتَّعْطِيلِ. اهـ {مجموع الفتاوى. 3/ 3 - 4}
وقال العلامة الآلوسي - عند قوله تعالى في سورة المائدة - {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ... (64) } :
وقال سلف الأمة - رضي الله تعالى عنهم - إن هذا من المتشابه، وتفويض تأويله إلى الله تعالى هو الأسلم، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أثبت لله عز وجل يدين، وقال:"وكلتا يديه يمين"ولم يرو عن أحد من أصحابه صلى الله عليه وسلم أنه أول ذلك بالنعمة، أو بالقدرة بل أبقوها كما وردت وسكتوا، ولئن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب لا سيما في مثل هذه المواطن. اهـ {روح المعاني. 3/ 347 - 348} .
يقول ابن القماش:
هذا ما تطمئن إليه النفس، وعليه سلف الأمة جمعنا الله بهم فِي مستقر رحمته ودار كرامته.