قَالَ الإمام الطبري عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ... (162) }
عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِهِ: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ}
وَعَنْ قَوْلِهِ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ}
وَعَنْ قَوْلِهِ: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ}
فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي هَذَا عَمَلُ الْكُتَّابِ أَخْطَئُوا فِي الْكِتَابِ". انتهى كلامه."
ثم قال:
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ, أَنْ يَكُونَ الْمُقِيمِينَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ نَسَقًا عَلَى (مَا) الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ}
وَأَنْ يُوَجِّهَ مَعْنَى الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ, فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَالْمُؤْمِنُونَ مِنْهُمْ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ مِنَ الْكِتَابِ وَبِمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ مِنْ كُتُبِي وَبِالْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ؛ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى صِفَةِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ فَيَقُولُ: لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ, وَالْمُؤْمِنُونَ بِالْكُتُبِ, وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ, وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.
وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا هَذَا عَلَى غَيْرِهِ, لِأَنَّهُ قَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: وَالْمُقِيمِينَ, وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِهِ فِيمَا ذَكَرُوا, فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ خَطَأً مِنَ الْكَاتِبِ لَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ الْمَصَاحِفِ غَيْرَ مُصْحَفِنَا الَّذِي كَتَبَهُ لَنَا الْكَاتِبُ الَّذِي أَخْطَأَ فِي كِتَابِهِ بِخِلَافِ مَا هُوَ فِي مُصْحَفِنَا، وَفِي اتِّفَاقِ مُصْحَفِنَا وَمُصْحَفِ أُبَيٍّ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِيَ فِي مُصْحَفِنَا مِنْ ذَلِكَ صَوَابٌ غَيْرُ خَطَأٍ, مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ خَطَأً مِنْ جِهَةِ الْخَطِّ, لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ أُخِذَ عَنْهُمُ الْقُرْآنُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْلَمُونَ مَنْ عَلِمُوا ذَلِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِ اللَّحْنِ, وَلَأَصْلَحُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ, وَلَقَّنُوهُ لِلْأُمَّةِ تَعْلِيمًا عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ.
وَفِي نَقْلِ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا ذَلِكَ قِرَاءَةً عَلَى مَا هُوَ بِهِ فِي الْخَطِّ مَرْسُومًا أَدَلُّ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ وَصَوَابِهِ, وَأَنْ لَا صُنْعَ فِي ذَلِكَ لِلْكَاتِبِ.
وقال العلامة الشيخ محمد أبو زهرة - ولله دره: عند قوله تعالى في المائدة {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69) }
والنص الكريم كما تلونا هو هكذا: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى)
ونرى أن"الصابئون"مرفوعة، وظاهر السياق أن تكون بالنصب، فتكون والصابئين وهذه قراءة ابن كثير، وقراءة الآخرين بالرفع، ولذلك تكلم المفسرون فِي هذه القراءة التي يقرأ بها الأكثرون. وقد خاضوا فِي ذلك لأجل التخريج النحوي، وليس لأحد أن يخطئ القراءة من الناحية اللغوية، إلا أن يكون كجهلة بعض المستشرقين الذين يحسبون أن قواعد النحو حاكمة على القرآن، وذلك من فساد النظر؟ لأن القرآن فوق النحو، إذ النحو يستقى منه، وهو لا يخضع لما يقرره النحويون، بل هم الذين يخضعون له، وأن القرآن قد ورد بذلك فهو قد دل على أن العطف على اسم (إنَّ) بالرفع جائز، ولو كان الخبر متأخرا، ولا يحتاج إلى شاهد سواه، وأنه هو الشاهد الأول على سلامة التعبير من الوجهة العربية، ومع ذلك قد جاءت شواهد من كلام العرب بوجوب رفع المعطوف على اسم (إنَّ) قبل وجود الخبر، فقد قال ضابي بن الحارث:
فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب
وترى أن العطف بالرفع على اسم (إنَّ) جاء قبل الخبر، وهو مذهب بعض النحويين، ويرجحه القرآن الكريم إذ جاء فيه ذلك، وهو خير شاهد.
وقد أخذ النحويون يخرجونه على مقتضى قواعدهم، المانعة عند الذين يمنعون، فقال بعض المخرجين: إن الخبر ليس هو خبر الصابئين، إنما الصابئون مبتدأ خبره محذوف تقديره كذلك، وقال غيرهم: إن اسم (إنَّ) أصلها مبتدأ دخلت عليه (إنَّ) ، فروعي معنى الابتداء فيه فرفع على هذا المعنى، وكل هذه تخريجات، النص فوقها، ولا عبرة بها لأنها لا تحكم على القرآن، بل إن العطف بالرفع جائز، وقوله تعالى: (من آمن منه) بعد ذلك خبر للجميع.
ومهما يكن من تخريجات أكثر النحويين وتجويز غيرها فإن القرآن أبلغ كلام فِي الوجود لا بد أن يكون فِي عدوله عن النصب الذي هو ظاهر السياق إلى الرفع معنى قائم بذاته. فما هو ذلك المعنى؟ قالوا: إن الصابئين أشد إيغالا فِي الكفر من اليهود والنصارى، فكان لا بد من تنبيه خاص بهم؟ ليكون ذلك تأكيدا لمعنى قبول التوبة والغفران؟ لأنهم إذا كانوا يغفر لهم وهم على هذه الحال من عبادة الكواكب، وعدم وجود كتاب، وكتمانهم اعتقاداتهم، فأولى ثم أولى أن يغفر لمن دونهم من ذلك الجحود، وهم اليهود والنصارى، ولأن الصابئين يشير بيان الغفران لهم إلى قبول توبة المشركين إذا آمنوا بعد شرك، كما قال تعالى: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين) الأنفال.
وقد بين سبحانه خبر (إنَّ) وهو جزاء الإيمان بعد كفر، فقال سبحانه: (من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) .
هذا هو الخبر، وفيه جزاء الإيمان وما تطلبه حقيقته، فذكر سبحانه أمورا ثلاثة: الإيمان بالله تعالى وذلك يتضمن الإيمان بوحدانيته، وأسمائه الحسنى، وأنه الخالق وحده، والمهيمن على الوجود وحده، وأنه الأزلي الذي ليس له ابتداء، والباقي الذي لا يعروه الفناء، وأنه لا يشبه أحدا من خلقه، وليس كالأشياء، لا يحس، ولا يحتويه مكان، وهو منزه عما تتصف به الحوادث إلى آخر كل ما يقتضيه التنزيه، وليس بوالد ولا ولد، وليس له كفوا أحد، والإيمان باليوم الآخر هو الإيمان بالبعث والنشور، والحساب والعقاب والثواب، وإنها جنة أبدا، أو نار أبدا، وأن الإنسان مجزى بعمله، وإن خيرا فخير أو شرا فشر: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) الزلزلة.
وذكر النص القرآني، أمرا ثالثا، وهو العمل الصالح الذي يلقى الله تعالى وهو قائم به، مستمرا عليه، وهذا وإن لم يكن ركنا من أركان الإيمان، ولكنه شرط لما جاء بعد ذلك من عدم الخوف والحزن، فإن المرتكب لا يمكن أن يكون فِي أمن من غضب الله، بل يكون حزينا على ما ارتكب، وإن قوى الإيمان إن عمل يكون عنده برد اليقين، والمؤمن الصادق يغلب الخوف على الرجاء، ولو كان طاهرا مطهرا، فكيف لو كان مرتكبا.
وقد يقول قائل: لماذا لم يذكر الإيمان برسالة النبي (صلى الله عليه وسلم) مع أنه ركن من أركان الإيمان، فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله تعالى هي لب الإيمان!.
والجواب عن ذلك: أن الإيمان بالرسالة المحمدية التي قامت عليها الأدلة من المعجزات الباهرة ثمرة الإيمان بالله ولازمة له، فلا يمكن أن يكون مؤمنا بالله من يكذب رسوله الذي قامت الشواهد والأمارات على صدق رسالته، والإيمان بالله يقتضى الإيمان بصدق كل ما جاء فِي كتابه المنزل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهكذا فإن الإيمان بالله تعالى يقتضى الإيمان بالرسالة والرسل والإيمان بما جاءت به الكتب المنزلة.
وجزاء هذا الإيمان الصادق والعمل الصالح ألا يكون المؤمن فِي خوف من قابل حياته فِي الآخرة، فلا يخاف عذاب يوم القيامة؟ لأن الإيمان هو الحصن الذي يلوذ به الخائفون، ولا يحزن على ما كان منه فِي كفره، وإنه فِي الجنة لا هم، ولا حزن ولا عذاب. انتهى انتهى. {زهرة التفاسير صـ 2293 - 2297}