أحدهما: أنه تعالى إنما شبَّهها بالثعبان فِي إحدى الحالتين لِعظَم خلقها، وكِبَر جسمها، وهول منظرها. وشبَّهها فِي الآية الأخرى بالجان لسرعة حركتها، ونشاطها، وخفتها، فاجتمع لها مع أنها فِي جسم الثعبان وكبر خلقه، نشاط الجان وسرعة حركته، وهذا أبهر فِي باب الإعجاز وأبلغ فِي خرق العادة، ولا تناقض بين الآيتين. وليس يجب إذا شبَّهها بالثِعبان أن يكون لها جميع صفات الثعبان، وإذا شبَّهها بالجان أن يكون لها جميع صفاته، وقد قال الله تعالى: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَاْ* قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٍ ..} ، ولم يرد تعالى أن الفضة قوارير على الحقيقة، وإنما وصفها بذلك لأنه اجتمع لها صفاء القوارير وشفوفها ورقتها، مع أنها من فضة، وقد تُشَبِّه العرب الشيء بغيره فِي بعض وجوهه، فيُشبِّهون المرأة بالظبية، وبالبقرة، ونحن نعلم أن فِي الظباء والبقر من الصفات ما لا يُستحسن أن يكون فِي النساء، وإنما وقع التشبيه فِي صفة دون صفة، ومن وجه دون وجه. والجواب الثاني: أنه تعالى لم يرد بذكر الجان فِي الآية الأخرى الحية، وإنما أراد أحد الجن، فكأنه تعالى أخبر بأن العصا صارت ثعباناً فِي الخِلْقة وعِظَم الجسم، وكانت مع ذلك أحد الجن فِي هول المنظر وإفزاعها لمن شاهدها، ولهذا قال تعالى: {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ} ويمكن أن يكون فِي الآية تأويل آخر استخرجناه، إن لم يزد على الوجهين الأوَّلين لم ينقص عنهما، والوجه فِي تكلفنا له، ما بيَّناه من الاستظهار فِي الحُجَّة، وأن التناقض الذي توهم زائل على كل وجه، وهو أن العصا لما انقلبت حيَّة صارت أولاً بصفة الجان وعلى صورته، ثم صارت بصفة الثعبان، ولم تصر كذلك ضربة واحدة، فتتفق الآيتان على هذا التأويل ولا يختلف حكمهما، وتكون الآية الأولى تتضمن ذكر الثعبان إخباراً عن غاية حال العصا، وتكون الآية الثانية