التنوين نون ساكنة تلحق آخر الكلمة لفظا وتسقط خطا لغير توكيد، والنون الساكنة:
نون ثابتة خطا [بلا حركة] ، وتقع في وسط الكلمة وآخرها، وأكثر مسائل هذا الباب إجماعية من قبيل التجويد، وأكثرهم قسم أحكام الباب إلى أربعة، والتحقيق أنها ثلاثة [وهى:] إظهار، وإدغام محض، وغير محض، وإخفاء مع قلب ومع غيره، ودليل الحصر: استقرائي، وضابطه: أن الحرف الواقع بعد التنوين والنون الساكنة إما أن يقرب مخرجه من مخرجهما [جدا] أو لا، والأول واجب الإدغام، والثانى إما أن يبعد جدا أو لا، والأول واجب الإظهار، والثانى واجب الإخفاء.
وعلى هذا فالإخفاء حال بين الإدغام والإظهار.
فإن قيل: لو كانت العلة ما ذكرت لما اختلف في الغين والخاء.
قلت: الخلاف في التحقيق: إنما هو في وجود العلة وعدمها.
وبدأ بالإظهار فقال:
ص:
أظهرهما عند حروف الحلق عن ... كل وفى غين وخا أخفى (ث) من
ش: أظهر التنوين والنون [الساكنة] فعلية، والضمير مفعول (أظهر) ، و (عند)
ظرفه، [و (حروف الحلق) مضاف ومضاف إليه] ، و (عن كل القراء) محله نصب على الحال، و (فى) متعلق ب (أخفى) وفاعله (ثمن) .
أي: أظهر التنوين والنون الساكنة عند حروف الحلق الستة وهي: الهمزة: والهاء، ثم العين، والحاء، ثم الغين، والخاء، عن القراء العشرة، إلا أبا جعفر، فإنه أخفاهما عند الغين والخاء:
فالهمزة نحو: وَيَنْأَوْنَ [الأنعام: 26] ، إِنْ أَنَا [الشعراء: 115] ، عادٍ إِذْ [الأحقاف: 21] .
والهاء نحو: عَنْهُمْ [الأنعام: 24] ، مَنْ هاجَرَ [الحشر: 9] ، إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ [النساء: 176] .
والعين نحو أَنْعَمْتَ [الفاتحة: 7] ، مِنْ عِلْمٍ [ص: 69] حَقِيقٌ عَلى [الأعراف: 105] .
والحاء نحو: وَانْحَرْ [الكوثر: 2] ، مَنْ حَادَّ [المجادلة: 22] ، نارٌ حامِيَةٌ [القارعة: 11] .
والغين نحو فَسَيُنْغِضُونَ [الإسراء: 51] ، مِنْ غِلٍّ [الحجر: 47] ماءٍ غَيْرِ [محمد: 15] .
والخاء نحو: وَالْمُنْخَنِقَةُ [المائدة: 3] ، وَإِنْ خِفْتُمْ [النساء: 35] ، يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ [الغاشية: 2] .
وجه الإظهار: غاية بعد المخرج مع تنوعها.
ووجه الخلاف في الغين والخاء هل قربهما متمكن بحيث يوجب الإظهار أو لا فيوجب الإخفاء؟.
ثم استثنى لأبى جعفر ألفاظا فقال:
ص:
لا منخنق ينغض يكن بعض أبى ... واقلبهما مع غنة ميما ببا
ش: (لا منخنق) عطف على (غين) ، و (ينغض) و (يكن) حذف عاطفهما، و (بعض أبى إخفاءهما) كبرى، و (اقلبهما) فعلية، والضمير مفعول أول، و (ميما) ثان، و (مع غنة) حال، و (بباء) - أي: مع باء - حال أيضا.
أي: استثنى بعض أهل الأداء عن أبى جعفر فَسَيُنْغِضُونَ [الإسراء: 51] ، وَالْمُنْخَنِقَةُ [المائدة: 3] ، وإِنْ يَكُنْ غَنِيًّا [النساء: 135] ، فأظهروا النون عنه، وروى الإخفاء فيها أبو العز في [ «إرشاده» ] من طريق الحنبلي عن هبة الله، وذكرها في «كفايته» [عن الشطوى] كلاهما من رواية ابن وردان، وخص في «الكامل» استثناءها من طريق الحنبلي فقط، وأطلق الخلاف فيها من الطريقين، والوجهان صحيحان، والاستثناء أشهر وعدمه أقيس.