{فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ * وِمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَائِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} ، فالأشبه بالظاهر أن يكون وعداً بالثواب، وراجعاً إلى الذين يقولون: ربنا آتنا فِي الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، أو يكون راجعاً إلى الجميع، فيكون المعنى: أن للجميع نصيباً مما كسبوا، فلا يكون وعيداً خالصاً: بل إما أن يكون وعداً خالصاً، أو وعدا ووعيداً. على أنه لو كان وعيداً خالصاً على ما ذكر الطاعن لكان لقوله تعالى: {وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} على تأويل من أراد قصر الزمان وسرعة الموافقة وجه وتعلق بالوعدَ والوعيد، لأن الكلام على كل حال متضمن لوقوع المحاسبة على أعمال العباد، والإحاطة بخيرها وشرها وإن وصف الحساب مع ذلك بالسرعة، وفى هذا ترغيب وترهيب لا محالة، لأن مَن علم بأنه يُحاسَب بأعماله، ويُوقَف على جميلها وقبيحها انزجر عن القبيح، وعمل ورغب فِي فعل الجواب، فهذا ينصر الجواب، وإن كنا لا ندفع أن فِي حمل الجواب على قرب المجازاة، وقرب المحاسبة على الأعمال ترغيباً فِي الطاعات، وزجراً على المقبحات، فالتأويل الأول أشبه بالظاهر ونسق الآية، إلا أن التأويل الآخر غير مرفوع أيضاً ولا مردود.
فأنت ترى فِي المثالين الأوَّلين كيف تخلَّص من ظاهر اللفظ الذي يمس عقيدته بمهارته اللُّغوية وتوسعه فِي المعرفة بأشعار العرب، كما ترى فِي المثال الثالث كيف لم يقبل قول من قال: إن معنى"سريع الحساب"سريع العلم، أو سريع القبول للدعاء، لأن القولين لم يستندا - كما قال - إلى أصل لُّغوى، أو عُرْفى، أو شرعى.