ورابعها: أن الله تعالى سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم، وذلك أنه يُسئل فِي وقت واحد سؤالات مختلفة من أمور الدنيا والآخر، فيجزى كل عبد بمقدار استحقاقه ومصلحته، فيوصل إليه عند دعائه ومسألته ما يستوجبه بحد ومقدار، فلو كان الأمر على ما يتعارفه الناس لطال العدد واتصل الحساب، فأعلمنا تعالى أنه سريع الحساب، أي سريع القبول للدعاء بغير إحصاء، وبحث عن المقدار الذي يستحقه الداعى. كما يبحث المخلوقون للحساب والإحصاء. وهذا جواب مبنى أيضاً على دعوى أن قبول الدعاء يُسمى حساباً، ولم يُعهد ذلك فِي لغة، ولا عُرف ولا شرع. وقد كان يجب على مَن أجاب بهذا الجواب، أن يستشهد على ذلك بما يكون حُجَّة فيه، وإلا فلا طائل فيما ذكره. ويمكن فِي الآية وجه آخر: وهو أن يكون المراد بالحساب محاسبة الخلق على أعمالهم يوم القيامة، ومواقفهم عليها، وتكون الفائدة، فِي الإخبار بسرعته: الإخبار عن قرب الساعة، كما قال تعالى: {سَرِيعُ الْعِقَابِ} ، وليس لأحد أن يقول: فهذا هو الجواب الأول الذي حكيتموه وذلك أن بينهما فرقاً، لأن الأول مبنى على أن الحساب فِي الآية هو الجزاء والمكافأة على الأعمال، وفى هذا الجواب لم يخرج الحساب عن بابه، وعن معنى المحاسبة المعروفة، والمقابلة بالأعمال وترجيحها، وذلك غير الجزاء الذي يفضى الحساب إليه. وقد طعن بعضهم فِي الجواب الثاني معترضاً على أبى عليّ الجبائى فِي اعتماده إياه، بأن قال: مخرج الكلام فِي الآية على وجه الوعيد، وليس فِي خفة الحساب وسرعة زمانه ما يقتضى زجراً، ولا هو مما يُتوعد بمثله فيجب أن يكون المراد بالإخبار عن قرب أمر الآخرة، والمجازاة على الأعمال. وهذا الجواب ليس أبو عليّ المبتدئ به، بل قد حُكى عن الحسن البصري، واعتمده أيضاً قطرب بن المستنير النحوي، وذكره الفضل بن سلمة، وليس الطعن الذي حكيناه عن هذا الطاعن بمبطل له، لأنه اعتمد على أن مخرج الآية مخرج الوعيد، وليس كذلك، لأنه تعالى قال: