التطبيق:
قال تعالى: {خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ} ذهب الزجاج وغيره إلى أن في الآية قلبا والمعنى: خُلق العجل من الإنسان، والعرب تفعل هذا إذا كان الشيء من سبب الشيء بدؤوا بالسبب.
وذهب عامة المفسرين إلى أن الآية على ترتيبها فقال بعضهم خلق الإنسان عجولا، وقال آخرون: خلق الإنسان في تعجيل في خلق الله إياه وقيل غير ذلك.
والقول بالترتيب هو الصحيح إذ لا موجب للقول بالقلب ولا دليل عليه مع مخالفته لظاهر الآية.
القاعدة العاشرة
التأسيس أولى من التأكيد
التأسيس لغة من الأساس، وهو أصل البناء وفي الاصطلاح: إفادة معنى آخر لم يكن حاصلا قبلا.
والتأكيد هو: تقوية مدلول ما ذكر بلفظ آخر وهو إما معنوي كقولك:"جاء القوم كلهم أجمعون"أو لفظي وهو: إعادة اللفظ الأول بعينه وهو المراد في هذه القاعدة، فإذا احتمل اللفظ أو الجملة أو الجملة من كتاب الله تعالى أن يكون مؤكدا للفظ - أو جملة - سابق.
أو يكون مفيدا لمعنى جديد لم يسبق في الكلام فحمله على الإفادة أولى من حمله على الإعادة، لأن إفادة معنى جديد أولى من إلغاء هذا المعنى بجعله مؤكدا لما تقرر في كلام سابق، فالتأكيد خلاف الأصل، لأن الأصل في وضع الكلام إنما هو إفهام السامع ما ليس عنده، فإن تعذر حمله على فائدة جديدة حمل حينئذ على التأكيد.
ويدخل تحت التأكيد المراد هنا تأكيد معنى سابق، ولو لم يكن في ذلك تكرارا لأي لفظ من ألفاظ الجملة السابقة.
وقد ذكر هذه القاعدة ورجح بها: الطبري وابن العربي وابن القيم وغيرهم.
التطبيق:
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} .
اختلف العلماء في عائد الضمير المحذوف الذي هو فاعل"علم":
-...فقال بعضهم: إنه راجع إلى قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وعلى هذا يكون المعنى: كل من المصلين والمسبحين قد علم الله صلاته وتسبيحه.
-...وقال آخرون: بل هو راجع إلى قوله {كل} فعلى هذا يكون المعنى: كل من المصلين والمسبحين قد علم صلاة نفسه وتسبيح نفسه.
والثاني هو الصحيح حتى يكون قوله تعالى: {والله عليم بما يفعلون} تأسيسا لمعنى جديد وهو إحاطة علم تعالى بكل ما يفعلون، أما على القول الأول فإن هذه الجملة - {والله عليم بما يفعلون} - مؤكدة لمعنى جملة {قد علم صلاته وتسبيح} والتأسيس أولى من التأكيد.