المبحث الثالث
قواعد الترجيح المتعلقة بالإعراب
القاعدة الأولى
يجب حمل كتاب الله على الأوجه الإعرابية اللائقة بالسياق والموافقة لأدلة الشرع
هذه القاعدة توجب حمل آيات التنزيل على الأوجه الإعرابية اللائقة بسياق الآية ومعناها والموافقة لأدلة الشرع دون الأوجه الجافية عنها وإن كان لها وجه صحيح في العربية فليس كل ما صح القول به في تركيب عربي صح حمل آيات التنزيل عليه فللقرآن عرف خاص يجب أن يحمل عليه، لأن الإعراب يبين المعنى، والمعنى هو المقصود بالنص القرآني دون الإعراب وقواعده.
وقد ذكر هذه القاعدة واستعملها عامة المفسرين كالطبري وابن عطية وأبي حيان وغيرهم.
التطبيق:
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} .
اختلف المعربون في الموقع الإعرابي لقوله تعالى: {ومن اتبعك} على خمسة أقوال:
1 -...معطوفة على الكاف المجرورة في"حسبك".
2 -..."من"في محل نصب عطفا على محل الكاف في قوله:"حسبك"لأنها بمعنى كافيك، أي الله يكفيك ويكفي من اتبعك من المؤمنين.
3 -..."من"في موضع نصب بفعل محذوف دل عليه الكلام تقديره: ويكفي من اتبعك من المؤمنين.
4 -..."من"في موضع رفع بالابتداء أي: ومن اتبعك من المؤمنين فحسبهم الله فيكون من عطف الجمل.
هذه الأوجه متفقة مع القاعدة ومتمشية مع الصحيح في معنى الآية، ولا تعارض أدلة شرعية، وإن وجد تقديم لبعضها على بعض من جهة الصناعة كالذي يقال في القول الأول بأنه من العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار وهو وإن كان جائزا في أصح القولين لكنه قليل وإعادة الجار أحسن وأفصح.
5 -..."من"في محل رفع عطفا على اسم الله تعالى، ومعناه: حسبك الله وأتباعك ومن المؤمنين.
وهذا القول ضعيف بل باطل، لأن الحسب هو الكافي، ولا يصح صرف هذا لغير الله تعالى كالرغبة والرهبة وسائر أنواع العبادات.
وقد دل القرآن في آيات كثيرة على أن الحسب والكفاية لله وحده لا شريك له فيهما كقوله تعالى: {فإن حسبك الله} .