وقال المؤيد بالله:
{ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(5) }
[تقديم المفعول على فعله]
كقولك: زيدا ضربت، في ضربت زيدا، فإن في قولك: زيدا ضربت تخصيصا له بالضرب دون غيره، بخلاف قولك: ضربت زيدا، وبيانه هو أنك إذا قدمت الفعل فإنك تكون بالخيار في إيقاعه على أي مفعول أردت بأن تقول ضربت زيدا أو عمرا أو بكرا أو خالدا، وإذا أخرت الفعل وقدمت مفعوله فإنه يلزم الاختصاص للمفعول على أنك لم تضرب أحدا سواه، فأما قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [سورة الفاتحة: 5] فهل يكون تقديم المفعول به من أجل الاختصاص، أو من أجل المشاكلة لرءوس الآى، فيه مذهبان:
المذهب الأول أن تقديم المفعول إنما كان من أجل الاختصاص، وهذا هو الذي أشار إليه الزمخشري في تفسيره، وهو رأى الأكثر من علماء البيان، وذلك لأن المفعول إذا تقدم لزم الاختصاص كما قلناه في قولنا: زيدا ضربت، ولأجل ذلك تكون العبادة مختصة بالله تعالى لأجل التقدم، وعلى هذا ورد قوله تعالى: (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ
[الزمر: 66] ولم يقل: بل اعبد الله، لأجل الاختصاص، وعلى هذا يحمل قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فتقدمه من أجل الاختصاص، وهذا فيه نظر لقوله تعالى (لْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ) [سورة قريش: 3] وقوله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) [سورة النساء: 36] وقوله تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ) [سورة الحجر: 99] وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ) [سورة الحج: 77] ولو كان التقديم من أجل الاختصاص لوجب تقديمه في هذه الآيات كلها، فلما ورد مؤخرا عن الفعل والمعنى واحد بطل ما قاله.