وقد تختص مواقعه بلطائف كما في سورة الفاتحة؛ فإن العبد إذا افتتح حَمْد مولاه الحقيق بالحمد عن قلب حاضر ونفس ذاكرة لما هو فيه بقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} الدال على اختصاصه بالحمد وأنه حقيق به، وجد من نفسه لا محالة محركا للإقبال عليه، فإذا انتقل على نحو الافتتاح إلى قوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} الدال على أنه مالك للعالمين، لا يخرج منهم شيء عن ملكوته وربوبيته، قوي ذلك المحرك، ثم إذا انتقل إلى قوله: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الدال على أنه منعم بأنواع النعم: جلائلها ودقائقها؛ تضاعفت قوة ذلك المحرك، ثم إذا انتقل إلى خاتمة هذه الصفات العظام وهي قوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} الدال على أنه مالك للأمر كله يوم الجزاء تناهت قوته، وأوجب الإقبال عليه وخطابه بتخصيصه بغاية الخضوع والاستعانة في المهمّات.
وكما في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ} [سورة النساء: 64] لم يقل:"واستغفرت لهم"وعدل عنه إلى طريق الالتفات؛ تفخيما لشأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتعظيما لاستغفاره، وتنبيها على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان.
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}
والتخصيص في غالب الأمر لازم للتقديم؛ ولذلك يقال في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [سورة الفاتحة: 5] : معناه نخصك بالعبادة، لا نعبد غيرك، ونخصك بالاستعانة, لا نستعين غيرك, وفي قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [سورة البقرة: 172] : معناه إن كنتم تخصونه بالعبادة.
{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) }
أغراض عطف البيان:
وأما بيانه, وتفسيره فلإيضاحه باسم مختص به؛ كقولك:"قدم صديقك خالد".
أغراض الإبدال من المسند إليه:
وأما الإبدال منه فلزيادة التقرير والإيضاح نحو:"جاءني زيد أخوك، وجاء القوم أكثرهم، وسُلِب عمرو ثوبه"ومنه في غيره قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [سورة الفاتحة:6، 7] . انتهى انتهى {الإيضاح لتلخيص المفتاح للخطيب القزويني} ...