ومن لطائف ونكات تفسير الماوردي:
{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) }
وفي اختصاصه بملك يوم الدين تأويلان: أحدهما: أنه يوم ليس فيه ملك سواه , فكان أعظم من مُلك الدنيا التي تملكها الملوك , وهذا قوله الأصم.
والثاني: أنه لما قال: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} , يريد به ملك الدنيا , قال بعده: {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} يريد به ملك الآخرة , ليجمع بين ملك الدنيا والآخرة.
قوله عز وجل: {إِيَاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}
قوله: {إِيَّاكَ} هو كناية عن اسم الله تعالى , وفيه قولان:
أحدهما: أن اسم الله تعالى مضاف إلى الكاف , وهذا قول الخليل.
والثاني: أنها كلمة واحدة كُنِّيَ بها عن اسم الله تعالى , وليس فيها إضافة لأن المضمر لا يضاف , وهذا قول الأخفش. وقوله: {نَعْبُدُ} فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: أن العبادة الخضوع , ولا يستحقها إلا الله تعالى , لأنها أعلى مراتب الخضوع , فلا يستحقها إلا المنعم بأعظم النعم , كالحياة والعقل والسمع والبصر.
والثاني: أن العبادة الطاعة.
والثالث: أنها التقرب بالطاعة.
والأول أظهرها , لأن النصارى عبدت عيسى عليه السلام , ولم تطعه بالعبادة , والنبي صلى الله عليه وسلم مطاع , وليس بمعبودٍ بالطاعة.
قوله عز وجل: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيم}
أما قوله: {اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ} ففيه تأويلان: أحدهما: معناه أرْشُدْنا ودُلَّنَا.
والثاني: معناه وفقنا , وهذا قول ابن عباس.
وفي الدعاء بهذه الهداية , ثلاثة تأويلات:
أحدها: أنهم دعوا باستدامة الهداية , وإن كانوا قد هُدُوا.
والثاني: معناه زدنا هدايةً.
والثالث: أنهم دعوا بها إخلاصاً للرغبة , ورجاءً لثواب الدعاء.
{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}
وفي غضب الله عليهم , أربعة أقاويل:
أحدها: الغضب المعروف من العباد.
والثاني: أنه إرادة الانتقام , لأن أصل الغضب في اللغة هو الغلظة , وهذه الصفة لا تجوز على الله تعالى.
والثالث: أن غضبه عليهم هو ذَمُّهُ لهم.
والرابع: أنه نوع من العقوبة سُمِّيَ غضباً , كما سُمِّيَتْ نِعَمُهُ رَحْمَةً.
والضلال ضد الهدى , وخصّ الله تعالى اليهود بالغضب , لأنهم أشد عداوة. انتهى انتهى {النكت والعيون، للماوردي} ...