قال - رحمه الله:
قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
يتضمّن مسائل أربع: أولاها:
سرّ الحمد، ثم سرّ الاسم"اللّه"ثمّ سرّ الاسم"الربّ"، ثم"العالمين".
مقدّمة
ولا بدّ قبل الشروع فِي هذا الكلام من تقديم أصل وجيز يكون مذكّرا ببعض ما سلف ذكره فِي القواعد ممّا يتعلّق بهذا الأمر المتكلّم فيه، وعونا على فهم ما يذكر من بعد.
ولهذا المعنى ونحوه قدّمت تلك القواعد الكلّيّة، وضمّنتها من كلّيّات العلوم والحقائق ما يستعين به اللبيب على معرفة ما يأتي بعدها من التفاصيل، ولأكتفي فِي المواضع الغامضة - التي لا يتمّ إيضاحها إلّا بمعرفة أصلها - بالتنبيه على ما سلف من كلّيّات الأمور المعرّفة بسرّ ذلك الأصل وحكمه، فلا أحتاج إلى الإعادة والتكرار، فممّا سلف - ممّا يحتاج إلى استحضاره فِي هذا الموضع هو: أنّ كلّ موجود كائنا ما كان فله ذات ومرتبة،
ولمرتبته أحكام تظهر فِي وجوده المتعيّن بحقيقته الثابتة، فتسمّى آثار تلك الأحكام فِي ذات صاحبها أحوالا. والمرتبة عبارة عن حقيقة كلّ شيء لا من حيث تجرّدها، بل من حيث معقوليّة نسبتها الجامعة بينها وبين الوجود المظهر لها والحقائق التابعة لها فإنّه قد بيّنّا أنّ بعض الحقائق تابع للبعض، وأنّ التابعة أحوال للمتبوعة وصفات ولوازم. وبيّنّا أيضا أنّ الموجودات ليست بأمر زائد على حقائق مختلفة ظهرت بوجود واحد تعيّن وتعدّد فِي مراتبها وبحسبها، لا أنّه إذا اعتبر مجرّدا عن الاقتران بهذه الحقائق يتعدّد فِي نفسه.