قال - رحمه الله:
سورة الحمد مكية فِي قول ابن عباس.
وقيل: بل هي مدنية. وهو قول مجاهد.
واستدل من قال: إنها مكية، أن بمكة فرضت الصلوات بإجماع، ومحال أن تفرض الصلوات، ولا ينزل ما هو تمامها وبه قوامها. وهي سورة الحمد، لقول النبي [- عليه السلام -] من الخبر الثابت:"كُل صَلاةٍ لا يُقرَأُ فِيهَا بِأُمّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ".
قالها ثلاثاً. والخَدْج النقص.
فغير جائز أن تفرض علينا الصلوات، ولا ينزل ما يزيل عنها النقص. ويدل على ذلك أيضاً ما ذكر أهل التاريخ فِي حديث طويل لخديجة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - مع ورقة بن نوفل أن جبريل - عليه السلام - قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - أول ما خاطبه بالوحي:"قل: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قال له: قل: الحمد لله رب العالمين، حتى انتهى إلى آخرها، ثم قال له: قل آمين. فقالها النبي - صلى الله عليه وسلم - ."
فهذا يدل على نزولها بمكة. وهو قول سعيد بن جبير أيضاً وعطاء.
وقال مجاهد:"نزلت الحمد بالمدينة"، وقال:"لما نزلت رن إبليس اللعين".
يريد رن من عظيم ثوابها وجلالة قدر ما خص الله به أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من إنزالها على نبيهم - صلى الله عليه وسلم - .
وقد اختلف عن ابن عباس فِي نزولها؛ فروي عنه بالمدينة، وروي عنه بمكة.
وحديث ورقة يدل على أنها أول ما نزل من القرآن.
وأكثر المفسرين على أن أول ما نزل من القرآن: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) إلى قوله تعالى: (مَا لَمْ يَعْلَمْ) .
وقيل: أول ما نزل المدثر، والله أعلم بأي ذلك كان.
وسورة الحمد تسمى فاتحة الكتاب لأن بها تستفتح الصلاة، وتستفتح المصاحف، وبها يستفتح المبتدئ بعد ختمه القرآن.
وتسمى أيضاً أم القرآن لأنها ابتداء القرآن، وأم كل شيء ابتداؤه وأصله.