ومنه تأخير الاستعانة عن العبادة في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وهي قبل العبادة، وإنما أخّرت لأجل فواصل السورة في أحد الأجوبة.
وقيل: قدمت العبادة لأنها سبب حصول الإعانة.
[لطيفة]
روي أن عارفا وقعت له واقعة، فقال له صديق له: نستعين بفلان فقال: أخشى أن تبطل صلاتي التي تقدمت هذا الأمر، وقد صلّيتها.
قال صديقه: وأين هذا من هذا؟
قال: لأني قلت في الصلاة: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فإن استعنت بغيره كذبت، والكذب في الصلاة يبطلها، وكذلك الاستعاذة من الشيطان الرجيم لا تكون إلا مع تحقق العداوة، فإذا قبل إشارة الشيطان واستنصحه فقد كذّب قوله فبطل ذكره.
(فائدة) اعلم أنّه إنما يحسن سؤال الحكمة عن التكرار إذا خرج عن الأصل، أما إذا وافق الأصل فلا ولهذا لا يتجه سؤالهم: لم كرر «إياك» في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} .
فقيل: إنما كررت للتأكيد، كما تقول: «بين زيد وبين عمرو مال» .
وقيل: إنما كررت لارتفاع أن يتوهم إذا حذفت أنّ مفعول «نستعين» ضمير متصل واقع بعد الفعل، فتفوت إذ ذاك الدلالة على المعنى المقصود، بتقديم المعمول على عامله.
والتحقيق أنّ السؤال غير متجه لأنّ هنا عاملين متغايرين، كلّ منهما يقتضي معمولا، فإذا ذكر معمول كلّ واحد منهما بعده فقد جاء الكلام على أصله، والحذف خلاف الأصل، فلا وجه للسؤال عن سبب ذكر ما الأصل ذكره، ولا حاجة إلى تكلّف الجواب عنه، وقس بذلك نظائره.