وينبغي أن تتفطن هاهنا لنكتة لطيفة في (غير) تكشف لك حقيقة أمرها، فأين تكون معرفة، وأين تكون نكرة؟ وهي أن (غير) هي نفس ماتكون تابعة له وضد ماهي مضافة إليه، فهي واقعة على متبوعها وقوع الاسم المرادف على مرادفه، فإن المعروف هو تفسير غير المنكر، والمنعم عليهم هم غير المغضوب عليهم، هذا حقيقة اللفظة، فإذا كان متبوعها نكرة لم تكن إلا نكرة، وإن أضيفت كما إذا قلت: رجل غيرك فعل كذا وكذا، وإذا كان متبوعها معرفة لم تكن إلا معرفة، كما إذا قيل المحسن غير المسيء محبوب معظم عند الناس، والبر غير الفاجر مهيب، والعادل غير الظالم مجاب الدعوة، فهذا لا تكون فيه (غير) إلا معرفة، ومن ادعى فيها التنكير هنا غلط، وقال: ما لا دليل عليه، إذ لا إبهام فيها بحال، فتأمله.
فإن قلت: عدم تعريفها بالإضافة له سبب آخر، وهي أنها بمعنى مغاير اسم فاعل من غاير، كمثل بمعنى مماثل، وشبه بمعنى مشابه، وأسماء الفاعلين لا تعرف بالإضافة وكذا ما ناب عنها.
قلت: اسم الفاعل إنما لا يتعرف بالإضافة إذا أضيف إلى معموله، لأن الإضافة في تقدير الانفصال، نحو هذا ضارب زيد غداً، وليست (غير) بعاملة فيما بعدها عمل اسم الفاعل في المفعول حتى يقال: الإضافة في تقدير الانفصال، بل إضافتها إضافة محضة كإضافة غيرها من النكرات، ألا ترى أن قولك: غيرك بمنزلة قولك سواك، ولا فرق بينهما، والله أعلم.
وأما المسألة الحادية عشرة: وهي ما فائدة إخراج الكلام في قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} مخرج البدل مع أن الأول في نية الطرح؟
فالجواب: أن قولهم الأول في البدل في نية الطرح كلام لا يصح أن يؤخذ على إطلاقه، بل البدل نوعان نوع يكون الأول فيه في نية الطرح، وهو بدل البعض من الكل وبدل الاشتمال، لأن المقصود هو الثاني لا الأول، وقد تقدم.