(فصل: في التعريف بالسورة الكريمة)
قال الشيخ محمد أبو زهرة:
بين يدي السورة:
سورة البقرة مدنية نزلت فِي المدينة فِي مدد، وقيل إنها أول سورة نزلت بالمدينة، وقد ادعى بعض العلماء أن بعض هذه السورة كان اخر آية نزلت من القرآن الكريم، وهي قوله تعالى: (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ... ، نزلت فِي حجة الوداع بمنى، وهي على هذا باعتبار نزولها فِي مكة تكون مكية.
وإن الذي نراه أن فيصل التفرقة بين المكي والمدنى، ليس هو مكان النزول، إنما هو كونه بعد الهجرة أو قبلها، فإن كان قبلها، فهو مكي، وإن كان بعدها فهو مدنى ولو نزل بمكة، إذ إن الفارق بين المكي والمدنى موضوعي، لا مكانى إذ إن أكثر الموضوعات التي تتصدى لها السور والآيات المكية: بيان أصل العقيدة الإسلامية، ومجادلة المشركين حولها، وسوق الأدلة لبطلان الوثنية، وتأكيد الوحدانية، والتعرض لأحوال المشركين، ومعاداتهم للنبي (صلى الله عليه وسلم) ومن آمن معه، وأخبار المبادرة بالدعوة وإنذار العشيرة، كما قال تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين. وهكذا أكثر القرآن المكي يتعرض لإثبات العقيدة، ومجادلة من ينكرونها من عبدة الأوثان.
أما السور المدنية وآياتها، فإنها تبين الأحكام الفرعية، وأحوال أهل الكتاب مع أهل الإيمان، وتنظيم الدولة الإسلامية، وسن النظم لتكوينها، وتكوين
المجتمع الفاضل الذي تقوم عليه، وما يحل وما يحرم فِي هذا المجتمع، وفيها قيام الأسرة الإسلامية التي تقوم على تقوى من الله تعالى، ورضوان من الله ورحمة. وإذا كانت السور المكية فيها الإشارات لإيذاء المؤمنين، واستضعافهم، مع
رجاء القوة كقوله تعالى: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فِي الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين.