إذا عرف هذا فالهداية المسؤولة في قوله الصراط المستقيم إنما تتناول المرتبة الثانية والثالثة خاصة، فهي طلب التعريف والبيان والإرشاد والتوفيق والإلهام.
فإن قيل: كيف يطلب التعريف والبيان وهو حاصل له، وكذلك الإلهام والتوفيق؟
قيل: هذه هي المسألة الثامنة عشرة.
وقد أجاب عنها من أجاب بأن المراد التثبيت ودوام الهداية، ولقد أجاب وما أجاب، وذكر فرعاً لا قوام له بدون أصله، وثمرة لا وجود لها بدون حاملها، ونحن نبين بحمد الله أن الأمر فوق ماأجاب به وأعظم من ذلك بحول الله.
فاعلم أن العبد لا يحصل له الهدى التام المطلوب إلا بعد ستة أمور، وهو محتاج إليها حاجة لا غنى له عنها.
الأمر الأول: معرفته في جميع مايأتيه ويذره بكونه محبوباً للرب تعالى مرضياً له، فيؤثره وكونه مغضوباً له مسخوطاً عليه فيجتنبه، فإن نقص من هذا العلم والمعرفة شيء نقص من الهداية التامة بحسبه.
الأمر الثاني: أن يكون مريد الجميع مايحب الله منه أن يفعله عازماً عليه ومريداً لترك جميع مانهى الله عازماً على تركه بعد خطوره بالبال مفصلاً وعازماً على تركه من حيث الجملة مجملاً، فإن نقص من إرادته لذلك شيء نقص من الهدى التام بحسب مانقص من الإرادة.
الأمر الثالث: أن يكون قائماً به فعلاً وتركاً، فإن نقص من فعله شيء نقص من هداه بحسبه، فهذه ثلاثة هي أصول في الهداية ويتبعها ثلاثة هي من تمامها وكمالها:
* أحدها: أمور هدي إليها جملة ولم يهتد إلى تفاصيلها، فهو محتاج إلى هداية التفصيل فيها.
* الثاني: أمور هدي إليها من وجه دون وجه، فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها لتكمل له هدايتها.
* الثالث: الأمور التي هدي إليها تفصيلاً من جميع وجوهها فهو محتاج إلى الاستمرار إلى الهداية والدوام عليها.