فصل
قال الفخر:
فصل فِي قوله تعالى {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} وفيه فوائد:
معنى قوله: {غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ} الخ:
الفائدة الأولى: المشهور أن المغضوب عليهم هم اليهود، لقوله تعالى: {مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ} [المائدة: 60] والضالين: هم النصارى لقوله تعالى: {قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السبيل} [المائدة: 77] وقيل: هذا ضعيف؛ لأن منكري الصانع والمشركين أخبث ديناً من اليهود والنصارى، فكان الاحتراز عن دينهم أولى، بل الأولى أن يحمل المغضوب عليهم على كل من أخطأ فِي الأعمال الظاهرة وهم الفساق، ويحمل الضالون على كل من أخطأ فِي الاعتقاد لأن اللفظ عام والتقييد خلاف الأصل، ويحتمل أن يقال: المغضوب عليهم هم الكفار، والضالون هم المنافقون، وذلك لأنه تعالى بدأ بذكر المؤمنين والثناء عليهم فِي خمس آيات من أول البقرة، ثم أتبعه بذكر الكفار وهو قوله: {إِنَّ الذين كَفَرُواْ} [البقرة: 6] ثم أتبعه بذكر المنافقين وهو قوله: {وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ءامَنَّا} [البقرة: 8] فكذا ههنا بدأ بذكر المؤمنين وهو قوله: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}
ثم أتبعه بذكر الكفار وهو قوله: {غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ}
ثم أتبعه بذكر المنافقين وهو قوله: {وَلاَ الضالين} .
الفائدة الثانية: لما حكم الله عليهم بكونهم ضالين امتنع كونهم مؤمنين، وإلا لزم انقلاب خبر الله الصدق كذباً، وذلك محال، والمفضي إلى المحال محال.
الفائدة الثالثة: قوله: {غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ وَلاَ الضالين}
يدل على أن أحداً من الملائكة والأنبياء عليهم السلام ما أقدم على عمل يخالف قول الذين أنعم الله عليهم، ولا على اعتقاد الذين أنعم الله عليهم، لأنه لو صدر عنه ذلك لكان قد ضل عن الحق، لقوله تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال} [يونس: 32] ولو كانوا ضالين لماجاز الاقتداء بهم، ولا الاهتداء بطريقهم، ولكانوا خارجين عن قوله: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}
ولما كان ذلك باطلاً علمنا بهذه الآية عصمة الأنبياء والملائكة عليهم السلام.
الفائدة الرابعة: الغضب: تغير يحصل عند غليان دم القلب لشهوة الانتقام، واعلم أن هذا على الله تعالى محال، لكن ههنا قاعدة كلية، وهي أن جميع الأعراض النفسانية أعني الرحمة، والفرح، والسرور، والغضب، والحياء، والغيرة، والمكر والخداع، والتكبر، والاستهزاء لها أوائل، ولها غايات، ومثاله الغضب فإن أوله غليان دم القلب، وغايته إرادة إيصال الضرر إلى المغضوب عليه، فلفظ الغضب فِي حق الله تعالى لا يحمل على أوله الذي هو غليان دم القلب، بل على غايته الذي هو إرادة الأضرار، وأيضاً، الحياء له أول وهو انكسار يحصل فِي النفس، وله غرض وهو ترك الفعل، فلفظ الحياء فِي حق الله يحمل على ترك الفعل لا على انكسار النفس، وهذه قاعدة شريفة فِي هذا الباب.