(فصل: في الرد على بعض الشبهات)
(حول تناقض النقل - القرآن - مع العقل)
هناك مَنْ يقيمون التناقض بين"العقل"و"النقل"، ويدعون أن الثقافة الإسلامية نقلية لا عقلية، ويعتقدون أن جميع علماء الأمة بدون استثناء غير مؤهلين، لأنهم اعتمدوا على النقل وليس التفكير .. وأنه يجب التفكير في كل أمور الدين، الأصل قبل الفرع .. وإلغاء كل الأساسيات الموجودة التي تعتبرها الأمة من المسلمات، والبحث من جديد عن الحقيقة، معتمدين على العقل فقط .. (انتهى) .
الرد على الشبهة:
إن القول بالاعتماد على العقل فقط - أي دون النقل، الذي هو الوحي الإلهي، في بلاغه القرآني وبيانه النبوي - .. واستخدام العقل وحده أداة لإعادة النظر في كل ما تعتبره الأمة من المسلمات .. هو قول يحتاج إلى ضبط .. وإلى تصويب .. ويمكن أن يتم ذلك من خلال إشارات إلى عدد من الحقائق:
أولاها: أن مقام العقل في الإسلام هو مكان عال وفريد، ولا نظير له في الشرائع السابقة على الشريعة الإسلامية الخاتمة .. فالعقل في الإسلام هو مناط التكليف بكل فرائض وأحكام الإسلام .. أي شرط التدين بدين الإسلام.
وثانيتها: أن النقل الإسلامي - وخاصة معجزته القرآنية - هو معجزة عقلية، قد ارتضت العقل حكمًا في فهمها وفي التصديق بها، وفي التمييز بين المحكم والمتشابه في آياتها، وأيضًا في تفسير هذه الآيات .. فليس للقرآن كهنوت يحتكر تفسيره، وإنما هو ثمرة لنظر عقول العلماء المفسرين .. وعلى حين كانت معجزات الرسالات السابقة معجزات مادية، تدهش العقول، فتشلها عن التفكير والتعقل، جاءت معجزة الإسلام - القرآن الكريم - معجزة عقلية، تستنفر العقل كى يتعقل ويتفكر ويتدبر، وتحتكم إليه باعتباره القاضى في تفسير آياتها .. فكان النقل الإسلامي سبيلاً لتنمية العقلانية الإسلامية .. وكان هذا التطور في طبيعة المعجزة متناسبًا ومتسقًا مع مرحلة النضج التي بلغتها الإنسانية، ومع ختم السماء سلسلة الرسالات والوحي إلى الأنبياء والرسل وأمم الرسالات ..