فإذا عرفت هذا ففعل الهداية متى عدي بـ (إلى) تضمن الإيصال إلى الغاية المطلوبة فأتى بحرف الغاية، ومتى عدي باللام تضمن التخصيص بالشيء المطلوب فأتى باللام الدالة على الاختصاص والتعيين، فإذا قلت: هديته لكذا، فهم معنى ذكرته له وجعلته له وهيأته، ونحو هذا، وإذا تعدى بنفسه تضمن المعنى الجامع لذلك كله وهو التعريف والبيان والإلهام.
فالقائل إذا قال: اهدنا الصراط المستقيم هو طالب من الله أن يعرفه إياه ويبينه له ويلهمه إياه ويقدره عليه، فيجعل في قلبه علمه وإرادته والقدرة عليه، فجرد الفعل من الحرف وأتى به مجرداً معدى بنفسه ليتضمن هذه المراتب كلها، ولو عدي بحرف تعين معناه وتخصص بحسب معنى الحرف، فتأمله فإنه من دقائق اللغة وأسرارها.
وأما المسألة الثامنة: وهي أنه خص أهل السعادة بالهداية دون غيرهم، فهذه مسألة اختلف الناس فيها وطال الحجاج من الطرفين، وهي أنه هل لله على الكافر نعمة أم لا؟ فمن ناف محتج بهذه وبقوله: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً} (النساء: الآية 69) فخص هؤلاء بالإنعام فدل على أن غيرهم غير منعم عليه، ولقوله لعباده المؤمنين {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} (البقرة: الآية 150) وبأن الإنعام ينافي الانتقام والعقوبة، فأي نعمة على من خلق للعذاب الأبدي.