فصل فِي الوقف والابتداء فِي آيات السورة الكريمة:
قال الإمام/ أبو بكر الأنباري:
السورة التي تذكر فيها البقرة
إن قال قائل: كيف كتبوا في المصحف «الم، والمر، والر» موصولاً، والهجاء مقطع لا ينبغي أن يتصل بعضه ببعض لأنك لو قال لك قائل: ما هجاء «زيد» لكنت تقول «زاي ياء دال» وتكتبه مقطعًا لتفرق بين هجاء الحرف وبين قراءته؟ فيقال له: إنما كتبوا «المر» وما أشبهه موصولاً لأنه ليس بهجاء لاسم معروف. وإنما هي حروف اجتمعت يراد بكل حرف منها معنى. ولو قطعت إذ جزمت
لكان صوابًا.
فإن قال قائل: لم كتبوا «حم عسق» بقطع الميم من العين، ولم يقطعوا «المص» و «كهيعص» ؟ قيل له: «حم» قد جرت في أوائل سبع سور فصارت كأنها اسم للسور، فقطعت مما قبلها لأنها كالمستأنفة والعرب تقول: وقع في الحواميم وفي آل حميم، وأنشد أبو عبيدة:
حلفت بالسبع اللواتي طولت ... وبمئين بعدها قد أميت
وبثمان ثنيت فكررت ... وبالطواسين اللواتي ثلثت
وبالحواميم اللواتي سبعت ... وبالمفصل اللواتي فصلت
وقال الكميت:
وجدنا لكم في آل حاميم آية ... تأولها منا تقي ومعرب
فمن قال: وقع في «ال حاميم» جعل «حاميم» اسمًا لكلهن. ومن قال: وقع في الحواميم جعل «حاميم» كأنه حرف واحد بمنزلة «قابيل وهابيل» . ويقال: قد
وقع في «الطواسين» فتجمع «طسم» الطواسين لأنك بنيتها على «طس» وتحذف الميم لأن الجمع لا يحتمل حروف اسم خامسي.
وقوله: {ق والقرآن المجيد} [ق: 1] و {ص والقرآن ذي الذكر} [ص: 1] في «قاف» و «صاد» وجهان، فمن جزمهما كتبهما حرفًا، ومن قرأ «قاف وصاد» فكسر الفاء والدال لاجتماع الساكنين لزمه أن يكتبه على لفظه لأنه قد خرج بالتعريب من حد الهجاء.
وقال الفراء: لا أستحب هذه القراءة لأني لو أجزته لقضيت على الكتاب بأن يتم.
وقال الأخفش: من قرأ (صاد) بخفض الدال أراد:
صاد الحق بعملك أي: تعمده يجعله أمرًا من صاديت أصادي، فيكون على وزن «قاض يا رجل» من قاضيت، ورام من راميت. قال الشاعر:
وأخرى أصاد النفس عنها وإنها ... لفرصة حزم إن ظفرت ومصدر
وقال الآخر:
أبيت على باب القوافي كأنما ... أصادي بها سربا من الوحش نزعا