"أَوْحَى اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلى دَاوُدَ: يَا دَاوُدُ، أَمَا وَعِزَّتِي وَعَظَمَتِي لا يَعْتَصِمُ بِي عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي دُونَ خَلْقِي - أَعْرِفُ ذلِكَ مِنْ نِيتهِ - فَتَكِيدُهُ السَّمواتُ السَّبْعُ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَالأرَضُونَ السَّبْعُ وَمَنْ فِيهِنَّ إِلا جَعَلْتُ لَهُ مِنْ بَيْنِهنَّ مَخْرَجا؛ أَمَا وَعِزَّتِي وَعَظَمَتِي لا يَعْتَصِمُ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي بِمَخْلُوقٍ دُونى - أَعْرِفُ ذلِكَ مِن نِيَّتِهَ - إِلا قَطَعْتُ أسبابَ السَّماءِ مِنْ يدِه، وَأَسَخْتُ الأرْضَ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ، ثُم لا أُبَالِى بِأَيِّ وَادٍ هَلَكَ".
وهذا الوجه أظهر للعامة من الذي قبله. ولهذا خوطبوا به في القرآن أكثر من الأول ومنه دعت الرسل إلى الوجه الأول. وإذا تدبر اللبيب القرآن وجد الله سبحانه يدعو عباده
بهذا الوجه إلى الوجه الأول، وهذا الوجه يقتضي التوكل على الله تعالى والاستعانة به، ودعاءه ومسألته دون ما سواه، ويقتضي أيضا: محبته وعبادته، لإحسانه إلى عبده، وإسباغ نعمه عليه، فإذا أحبوه وعبدوه وتوكلوا عليه من هذا الوجه دخلوا منه إلى الوجه الأول.
ونظير ذلك: من ينزل به بلاء عظيم، أو فاقة شديدة، أو خوف مقلق، فجعل يدعو الله سبحانه ويتضرع إليه، حتى فتح له من لذيذ مناجاته وعظيم الإيمان به، والإنابة إليه ما هو أحب إليه من تلك الحاجة التي قصدها أولا، ولكنه لم يكن يعرف ذلك أولا حتى يطلبه، ويشتاق إليه، وفي نحو ذلك قال القائل:
جَزَى اللهُ يَوْمَ الرَّوْعِ خَيْرًا، فَإِنَّه ... أَرَانَا عَلَى عِلاتِهِ أمَّ ثَابِتِ
أَرَانَا مَصُونَاتِ اْلحِجابِ، وَلَمْ نَكُنْ ... نَرَاهنَّ إِلا عِنْدَ نَعْتِ النَّوَاعِتِ