(لطائف وأسرار]
اعلم أن للالتفات فوائد عامة وخاصة فمن العامة التفنّن والانتقال من أسلوب إلى آخر لما في ذلك من تنشيط السامع، واستجلاب صفائه، واتساع مجاري الكلام، وتسهيل الوزن والقافية شعرا ونثرا.
وقال البيانيون: إن الكلام إذا جاء على أسلوب واحد وطال حسن تغيير الطريقة.
ونازعهم القاضي شمس الدين الخوييّ وقال: الظاهر أنّ مجرّد هذا لا يكفي في المناسبة، فإنّا رأينا كلاما أطول في هذا، والأسلوب محفوظ، قال تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} (سورة الأحزاب: 35) إلى أن ذكر عشرة أصناف، وختم ب {الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ} ، ولم يغيّر الأسلوب وإنما المناسبة أن الإنسان كثير التقلب، وقلبه بين إصبعين من أصابع الرحمن، ويقلّبه كيف يشاء، فإنه يكون غائبا فيحضر بكلمة واحدة، وآخر يكون حاضرا فيغيب، فالله تعالى لما قال:
{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} تنبه السامع وحضر قلبه، فقال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وأمّا الخاصة فتختلف باختلاف محالّه ومواقع الكلام فيه على ما يقصده المتكلم.
فمنها قصد تعظيم شأن المخاطب، كما في: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فإنّ العبد إذا افتتح حمد مولاه بقوله: «الحمد لله» الدالّ على اختصاصه بالحمد وجد من نفسه التحرّك للإقبال عليه سبحانه فإذا انتقل إلى قوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} الدالّ على ربوبيته لجميعهم قوي تحرّكه، فإذا قال: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الدالّ على أنه منعّم بأنواع النعم جليلها وحقيرها تزايد التحرّك عنده، فإذا وصل لـ {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} وهو خاتمة الصفات الدالّة على أنه مالك الأمر يوم الجزاء، فيتأهّب قربه وتيقّن الإقبال عليه بتخصيصه بغاية الخضوع والاستعانة في المهمات.
وقيل: إنما اختير للحمد لفظ الغيبة، وللعبادة الخطاب، للإشارة إلى أن الحمد دون العبادة في الرتبة فإنّك تحمد نظيرك ولا تعبده، إذ الإنسان يحمد من لا يعبده، ولا يعبد من لا يحمده، فلما كان كذلك استعمل لفظ الحمد لتوسطه مع الغيبة في الخبر فقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} ولم يقل «الحمد لك» ، ولفظ العبادة مع الخطاب فقال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لينسب إلى العظيم حال المخاطبة والمواجهة، على ما هو أعلى رتبة وذلك على طريق التأدب. وعلى نحو من ذلك جاء آخر السورة فقال: {الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} مصرّحا بذكر المنعم، وإسناد الإنعام إليه لفظا ولم يقل «صراط المنعم عليهم» فلما صار إلى ذكر الغضب روى عنه لفظ الغضب في النسبة إليه لفظا، وجاء باللفظ متحرفا عن ذكر الغاضب فلم يقل «غير الذين غضبت عليهم» ، تفاديا عن نسبة الغضب في اللفظ حال المواجهة.