[من روائع الأبحاث]
قال القاضي عبد الجبار الهمذاني (المعتزلي) :
(سورة الحمد)
معنى الحمد لله الشكر لله وكيف نشكره فعلمنا تعالى ذلك.
[مسألة]
قالوا الحمد لله خبر فإن كان حمد نفسه فلا فائدة لنا فيه وان أمرنا بذلك فكان يجب أن يقول قولوا الحمد لله. وجوابنا عن ذلك ان المراد به الأمر بالشكر والتعليم لكي نشكره لكنه وان حذف الأمر فقد دل عليه بقوله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) لأنه لا يليق بالله تعالى وإنما يليق بالعباد فإذا كان معناه قولوا (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) فكذلك قوله (الْحَمْدُ لِلَّهِ) وهذا كقوله (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ) معناه ويقولون (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) ومثله كثير فِي القرآن.
[مسألة]
وربما قالوا لماذا أعاد (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) وقد تقدم من قبل.
وجوابنا ان ذلك ليس بتكرار لأن المراد بالأول توكيد الاستعانة والمراد بالثاني توكيد الشكر له فلذلك كرر.
[مسألة]
قالوا ما معنى قوله (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ويوم الدين ليس بموجود حالا وكيف يملك المعدوم وما فائدة ذلك. وجوابنا ان المراد القادر على (ذلك اليوم) الذي فيه الجنة على عظم شأنها والنار على عظم أمرها وفيه المحاسبة والمساءلة فنبه تعالى بذلك على انكم ان شكرتم وقمتم بالواجب فلكم من الفوز فِي الآخرة بالثواب نهاية ما تتمنون فصار ذلك ترغيبا فِي الشكر والعبادة وزجرا عن خلافه وإذا قرئ «مالك» فالمراد به القدرة على يوم الدين وإذا قرئ «ملك» فالمراد به القدرة على العباد الذين يتصرف تعالى فيهم بما يوجب الانقياد له.
[مسألة]
قالوا ما معنى (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) وعندكم ان الله تعالى قد هدى الخلق بالادلة والبيان فما وجه هذا الطلب والدعاء. وجوابنا على ذلك انه تعالى وان مكن وأقدر المكلف ففي قدرته تعالى من زيادة البيان والادلة والالطاف والعصمة ما ينتفع به العبد إذا أمده بها والعبد يجوّز ذلك فيطلبه وهذا كما قال تعالى (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً) فأمر تعالى العبد أن ينقطع إلى الله تعالى فيقول (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) وان لا يكذب فِي ذلك فيكون مراده بالصلاة الرياء والسمعة وأن لا يستعين الا بالله تعالى وأن يستمد من جهته الالطاف والمعونة على الصراط المستقيم الذي هو دينه وطريقة من أنعم الله عليه لا طريقة الكفار الذين ضلوا فغضب الله عليهم. انتهى انتهى. {تنزيه القرآن عن المطاعن/ للقاضي عبد الجبار (المعتزلي) صـ 9 - 10} .