فهرس الكتاب

الصفحة 4358 من 16874

الْمَقَامُ الثَّانِي: وَهُوَ"الْحَدُّ يُفِيدُ تَصَوُّرَ الْأَشْيَاءِ"فَنَقُولُ: الْمُحَقِّقُونَ مِنْ النُّظَّارِ عَلَى أَنَّ الْحَدَّ فَائِدَتُهُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْمَحْدُودِ وَغَيْرِهِ كَالِاسْمِ لَيْسَ فَائِدَتُهُ تَصْوِيرَ الْمَحْدُودِ وَتَعْرِيفَ حَقِيقَتِهِ. وَإِنَّمَا يَدَّعِي هَذَا أَهْلُ الْمَنْطِقِ الْيُونَانِيُّونَ أَتْبَاعُ أَرِسْطُو؛ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ تَقْلِيدًا لَهُمْ مِنْ الْإِسْلَامِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ. فَأَمَّا جَمَاهِيرُ أَهْلِ النَّظَرِ وَالْكَلَامِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ فَعَلَى خِلَافِ هَذَا. وَإِنَّمَا أَدْخَلَ هَذَا مَنْ تَكَلَّمَ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَالْفِقْهِ بَعْدَ أَبِي حَامِدٍ فِي أَوَاخِرِ الْمِائَةِ الْخَامِسَةِ وَهُمْ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِي الْحُدُودِ بِطَرِيقَةِ أَهْلِ الْمَنْطِقِ الْيُونَانِيِّ. وَأَمَّا سَائِرُ النُّظَّارِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ الْأَشْعَرِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ والكَرَّامِيَة وَالشِّيعَةُ وَغَيْرُهُمْ فَعِنْدَهُمْ إنَّمَا يُفِيدُ الْحَدُّ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الْمَحْدُودِ وَغَيْرِهِ. وَذَلِكَ مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَأَبِي إسْحَاقَ وَابْنِ فورك وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَابْنِ عَقِيلٍ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ والنسفي وَأَبِي عَلِيٍّ وَأَبِي هَاشِمٍ وَعَبْدِ الْجَبَّارِ والطوسي وَمُحَمَّدِ بْنِ الْهَيْصَمِ وَغَيْرِهِمْ. ثُمَّ إنَّ مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْمَنْطِقِ مِنْ صِنَاعَةِ الْحَدِّ لَا رَيْبَ أَنَّهُمْ وَضَعُوهَا وَضْعًا وَقَدْ كَانَتْ الْأُمَمُ قَبْلَهُمْ تَعْرِفُ حَقَائِقَ الْأَشْيَاءِ بِدُونِ هَذَا الْوَضْعِ وَعَامَّةُ الْأُمَمِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت