فهرس الكتاب

الصفحة 2827 من 16874

تَعَالَى: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} وَمِنْ هَذَا تَسْمِيَةُ اللَّيْلِ ظُلْمَةً وَالنَّهَارِ نُورًا فَإِنَّهُمَا عَرَضَانِ وَقَدْ قِيلَ: هَمَّا جَوْهَرَانِ؛ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِ ذَلِكَ. فَتَبَيَّنَ أَنَّ اسْمَ النُّورِ يَتَنَاوَلُ هَذَيْنِ وَالْمُعْتَرِضُ ذَكَرَ أَوَّلًا حَدَّ"الْعَرَضِ"وَذَكَرَ ثَانِيًا حَدَّ"الْجِسْمِ"فَتَنَاقَضَ وَكَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِي وَلَمْ يَهْتَدِ لِوَجْهِ الْجَمْعِ. وَكَذَلِكَ اسْمُ"الْحَقِّ"يَقَعُ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى صِفَاتِهِ الْقُدْسِيَّةِ كَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَنْتَ الْحَقُّ وَقَوْلُك الْحَقُّ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ} .

وَأَمَّا قَوْل الْمُعْتَرِضِ: النُّورُ ضِدُّ الظُّلْمَةِ وَجَلَّ الْحَقُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ ضِدٌّ. فَيُقَالُ لَهُ: لَمْ تَفْهَمْ مَعْنَى الضِّدِّ الْمَنْفِيِّ عَنْ اللَّهِ؛ فَإِنَّ"الضِّدَّ"يُرَادُ بِهِ مَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْآخَرِ كَمَا يُقَالُ فِي الْأَعْرَاضِ الْمُتَضَادَّةِ مِثْلِ السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ. وَيَقُولُ النَّاسُ: الضِّدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ وَيَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ؛ وَهَذَا التَّضَادُّ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ لَا يَكُونُ إلَّا فِي"الْأَعْرَاضِ"وَأَمَّا"الْأَعْيَانُ"فَلَا تَضَادَّ فِيهَا؛ فَيَمْتَنِعُ عِنْدَ هَذَا أَنْ يُقَالَ: لِلَّهِ ضِدٌّ أَوْ لَيْسَ لَهُ ضِدٌّ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ يُتَصَوَّرُ التَّضَادُّ فِيهَا وَاَللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ لَهُ ضِدٌّ يَمْنَعُ ثُبُوتَهُ وَوُجُودَهُ بِلَا رَيْبٍ؛ بَلْ هُوَ الْقَاهِرُ الْغَالِبُ الَّذِي لَا يُغْلَبُ. وَقَدْ يُرَادُ"بِالضِّدِّ"الْمُعَارِضُ لِأَمْرِهِ وَحُكْمِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَانِعًا مِنْ وُجُودِ ذَاتِهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت