ولا شك أن الغالب على أحوال الخلق كلهم الموت ، ولهذا السر أطلق القتل إطلاقاً ليعم أنواع القتل كلها . وفي قوله: {لإلى الله تحشرون} لطائف منها: تقديم الجار على الفعل لإفادة الحصر ، وأنهم لا يحشرون إلى غيره ، وأنه لا حكم لأحد فِي ذلك اليوم إلا له ، ومنها تخصيص اسم الله بالذكر ليدل على كمال اللطف والقهر ، فهو لدلالته على كمال اللطف أعظم أنواع الوعد ، ولدلالته على كمال القهر أشد أنواع الوعيد . ومنها إدخال لام التوكيد القسمي فِي الحرف المتصل باسم الله تنبيهاً على أن الإلهية تقتضي هذا الحشر لحكمة المجازاة . ومنها بناء {تحشرون} على المفعول تعويلاَ على ما هو مركوز فِي العقول من أنه هو الذي يبدئ ويعيد ، لا قدرة على الإعادة لأحد غيره . ومنها أنه أضاف حشرة إلى غيرهم ليعلم أنهم أحياء كانوا أو أمواتاً لا يخرجون عن قبضته . ومنها أنه خاطب الكل ليعلم أن القاتل والمقتول والظالم والمظلوم والقاعد والمجاهد كلهم فِي بساط العدل وفضاء القضاء موقوفون . واعلم أنه تعالى ذكر فِي الآيتين المغفرة والرحمة والحشر إليه . فالأول إشارة إلى من يعبده خوفاً من عقابه ، والثاني إشارة إلى من يعبد طمعاً فِي ثوابه والثالث إشارة إلى من يعبده لأنه يستحق العبادة . فهم أهل الحشر إلى الله لا إلى ثوابه ولا إلى إزالة عقابه ، وما أحسن هذا النسق! يروى أن عيسى عليه السلام مر بأقوام نحفت أبدانهم واصفرت وجوههم ، ورأى عليهم سيما الطاعة فقال: ماذا تطلبون؟ فقالوا: نخشى عذاب الله . فقال: هو أكرم من أن لا يخلصكم من عذابه . ثم مر بآخرين فرأى عليهم تلك الآثار فسألهم فقالوا: نطلب الجنة والرحمة . فقال: هو أكرم من أن يمنعكم رحمته . ثم مر بقوم ثالث ورأى عليهم سمات العبودية أكثر فسألهم فقالوا: نعبده لأنه إلهنا ونحن عبيده لا لرهبة ولا لرغبة . فقال: أنتم العبيد المخلصون والمتعبدون المحققون . قال القاضي: فِي الآية دليل على أن المقتول