قال ابن عرفة: تقدم منا سؤال وهو لم ذكر سبب تعذيب أولئك وعدد لهم وهددوا، ولم يذكر سبب رحمة هؤلاء وثوابهم فلم يقل (وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضتْ وُجُوهُهُمْ) ، فيقال لهم اهتديتم إلى الإيمان واتبعتم الرسول فأنتم خالدون في رحمة الله، قال والجواب: إما أنه من حذف التقابل، وإما بأن هذا جرى على الصفح المألوف من فضلاء الملوك، والأشراف في الدنيا، إن من عصاهم يعذبونه ويعددون عليه أفعاله القبيحة زيادة في عذابه بالقول والفعل ومن تكرموا عليه فأطاعهم يكافئونه بمجرد إسداء النعم عليه، ولا يذكرونه بما سلفت له حسبما قال الشاعر:
وإن أمرءا أسدى إلي بنعمة ... وذكر فيها مرة لبخيل
قلت: وأشار إلى تعذيب الله لهم عدل وجزاء عن كفرهم، ورحمته بهم محض تفضل لَا جزاء عملهم بوجه.
قوله تعالى: (هُم فِيهَا خَالِدُونَ) .
ولم يذكر في (الَّذِينَ اسْوَدتْ وُجُوهُهُم) وصف الخلود في العذاب، قال: فعادتهم يجيبون بأن النفوس مولعة بسوء الظن، فمن نزل به أمر مؤلم تظن دوامه، ولا يطمع في زواله غالبا، ومن كان في نعيم فإنه يتوقع زواله، لأن الإنسان من طبعه الهلع والجزع، فذكر الخلود في الثاني احتراسا ولم يذكر في الأول اكتفاء بما حصل في النفوس من ظن دوامه، قال: وهذا الجواب: تقدمنا في قوله تعالى: في سورة هود (فَأمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ) الآية، وقال في الفريق الآخر (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) .
قوله تعالى: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108) }
قال الزمخشري: أي ما يريد شيئا من الظلم لأحد من خلقه، فسبحان من يحلم عمن يصفه بإرادة القبائح والرضا بها، وأجيب: بأنا نحن نقول سبحان من يحلم عمن يجعل له شريكا في ملكه.