يَعْنِي جَلَّ ثناؤُهُ بِقَوْلِهِ: كَذَلِكَ كَمَا بَيَّنَ لَكُمْ رَبُّكُمْ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، مِنْ غِلِّ الْيَهُودِ، الَّذِي يُضِمرُونَهُ لَكُمْ، وَغِشِّهِمْ لَكُمْ، وَأَمْرِهِ إِيَّاكُمْ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ فِيهَا، وَنَهْيِهِ لَكُمْ عَمَّا نَهَاكُمْ عَنْهُ، وَالْحَالِّ الَّتِي كُنْتُمْ عَلَيْهَا فِي جَاهِلِيَّتِكُمْ، وَالَّتِي صِرْتُمْ إِلَيْهَا فِي إِسْلَامِكُمْ، يُعَرِّفُكُمْ فِي كُلِّ ذَلِكَ مَوَاقِعَ نِعَمِهِ قِبَلَكُمْ، وَصَنَائِعَهُ لَدَيْكُمْ، فَكَذَلِكَ يُبَيِّنُ سَائِرَ حُجَجِهِ لَكُمْ فِي تَنْزِيلِهِ، وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
{لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}
يَعْنِي: لِتَهْتَدُوا إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ، وَتَسْلُكُوهَا فَلَا تَضِلُّوا عَنْهَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) }
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ} أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، {أُمَّةٌ}
يَقُولُ:
جَمَاعَةٌ {يَدْعُونَ} النَّاسَ {إِلَى الْخَيْرِ}
يَعْنِي إِلَى الْإِسْلَامِ وَشَرَائِعِهِ الَّتِي شَرَّعَهَا اللَّهُ لِعِبَادِهِ، {وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ}
يَقُولُ: يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَدِينِهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، {وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}
يَعْنِي وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ، وَالتَّكْذِيبِ بِمُحَمَّدٍ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِجِهَادِهِمْ بِالْأَيْدِي وَالْجَوَارِحِ، حَتَّى يَنْقَادُوا لَكُمْ بِالطَّاعَةِ، وَقَوْلُهُ: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}
يَعْنِي الْمُنَجَّحِينَ عِنْدَ اللَّهِ، الْبَاقِينَ فِي جَنَّاتِهِ وَنَعِيمِهِ.
وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى مَعْنَى الْإِفْلَاحِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ. هَاهُنَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) }