وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الثَّوَابَ فِي هَذِهِ الْمَحَبَّةِ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَتْ للَّهِ تَعَالَى خَالِصَةً لا يَشُوبُهَا شَيْءٌ مِنَ الْكَدَرِ، وَمَتَى قَوِيَتْ مَحَبَّةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي الْقَلْبِ قَوِيَتْ مَحَبَّةُ أَوْلِيَائِهِ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِهِ، فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مَنْ يُؤَاخِي وَمَنْ يُحِبُّ، وَلا يَنْبَغِي أَنْ يَتَخَيَّرَ إِلا مَنْ قَدْ سَلِمَ عَقْلُهُ وَدِينُهُ. وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ:"الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ".
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ"."
فَإِذَا أَحَبَّ شَخْصًا فَلْيُعْلِمْهُ: وَرَوَى الْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُعْلِمْهُ إِيَّاهُ.
وَقَالَ عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ: لَقَدْ أَحْبَبْتُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَلْفَ أَخٍ كُلُّهُمْ أَعْرِفُ اسْمَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ وَقَبِيلَتَهُ وَمَكَانَ دَارِهِ.
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ: مَا تَحَابَّ رَجُلانِ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلا كَانَ أَفْضَلُهُمَا أَشَدَّهُمَا حُبًّا لِصَاحِبِهِ.
وَكَانَ يَقُولُ: اصحب من ذا صَحِبْتَهُ زَانَكَ، وَإِنْ خَدَمْتَهُ صَانَكَ، وَإِذَا أَصَابَتْكَ خَصَاصَةٌ مَانَكَ، وَإِنْ رَأَى مِنْكَ حَسَنَةً سُرَّ بِهَا، وَإِنْ رَأَى مِنْكَ سَقْطَةً سَتَرَهَا، وَمَنْ إِذَا قُلْتَ صَدَّقَ قَوْلَكَ، وَمَنْ هُوَ فَوْقَكَ فِي الدِّينِ وَدُونَكَ فِي الدُّنْيَا، وَكُلُّ أَخٍ وَجَلِيسٍ وَصَاحِبٍ لا تَسْتَفِيدُ مِنْهُ فِي دِينِكَ خَيْرًا فَانْبُذْ عَنْكَ صُحْبَتَهُ.
فَإِذَا صَفَتِ الْمَحَبَّةُ وَخَلَصَتْ وَقَعَ الشَّوْقُ وَالتَّزَاوُرُ وَصَارَ بَذْلُ الْمَالِ أَحْقَرَ الأَشْيَاءِ.
فَأَمَّا التَّزَاوُرُ فَقَدْ ذَكَرْنَا فَضِيلَتَهُ.
وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَذْكُرُ الأَخَ مِنْ إِخْوَانِهِ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ فَيَقُولُ: يَا طُولَهَا مِنْ لَيْلَةٍ! فَإِذَا صَلَّى الْمَكْتُوبَةَ غَدَا إِلَيْهِ فَاعْتَنَقَهُ.