فهل معنى هذا أن الله كلف الناس أولا ما لا يستطيعون ، ثم قال من بعد ذلك: {فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ؟ لا ، إنه الحق سبحانه لا يكلف إلا بما فِي الوسع ، والناس قد تخطئ الفهم لقوله تعالى: {فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} فيقول العبد: أنا غير مستطيع أن أقوم بذلك التكليف ، ويظن هذا العبد أن التكليف يسقط عنه. لا ، إن هذا فهم خاطئ ؛ إن قوله الحق: {فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} أي إنك تتقي الله بما كان فِي استطاعتك من الوسع ، فما باستطاعتك أن تقوم به عليك أن تقوم به. فلا يهرب أحد إلى المعنى المناقض ويقول: أنا غير مستطيع ؛ لأن الله يعلم حدود استطاعتك.
وساعة تكون غير مستطيع فهو - سبحانه - الذي يخفف.. إنك لا تخفف أنت على نفسك أيها العبد ، فالخالق الحق هو الذي يعلم إذا كان الأمر خارجا عن استطاعتك أو لا ، وساعة يكون الأمر خارجاً عن استطاعتك فالله هو الذي يخفف عنك. ولذلك فعلى الإنسان ألا يستخدم القول الحق:
{لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286]
في غير موضعه ؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يقدر الوسع ، ثم يبني التكليف على الوسع. بل عليك أن تفهم أيها الإنسان أن الله هو الذي خلق النفس ، وهو الذي أنزل التكليف لوسع النفس ، وما دام الخالق للنفس هو الله فهو العليم بوسع النفس حينما قرر لها المنهج. إنه سبحانه الذي كلف ، وهو العليم بأن النفس قد وسعت ، ولذلك فهو لا يكلف نفسا إلا وسعها. فإن كان سبحانه قد كلف فأعلم أيها العبد أنه سبحانه قد كلف بما فِي وسعك ، وعندما يحدث للإنسان ما يشق عليه أو يمنعه من أداء ما كلف به تامّاً فهو - سبحانه - يضع لنا التخفيف وينزل لنا الرخص. مثال ذلك: المريض أو الذي على سفر ، له رخصة الإفطار فِي رمضان ، والمسافر له أن يقصر الصلاة.