إذن فالله سبحانه هو الذي علم حدود وسع النفس التي خلقها ، ولذلك لا تقدر وسعك أولا ثم تقدر التكليف عليه ، ولكن قدّر التكليف أولا ، وقل: ما دام الحق قد كلف فذلك فِي الوسع. وفي تذييل الآية الكريمة بقوله: {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} نجد أنفسنا أمام نهي عن فعل وهو: عدم الموت إلا والإنسان مسلم.
كيف ذلك ؟ أيقول لك أحد: لا تمت ؟ إن ذلك الأمر ليس لك فيه اختيار ؛ لأنه أمر نازل عليك. فإذا قيل لك: لا تمت ، فإنك تتعجب ؛ لأن أحدا لا يملك ذلك ، ولكن إذا قيل لك: لا تمت إلا وأنت مسلم ، فأنت تفكر ، وتصل بالتفكير إلى أن الفعل المنهي عنه: لا تمت ليس فِي قدرة الإنسان ؛ ولكن الحال الذي يقع عليه الفعل وهو: إلا وأنت مسلم ، فِي قدرة الإنسان ؛ لذلك تقول لنفسك: إن الموت يأتي بغير عمل مني ، ولكن كلمة: إلا وأنت مسلم ، فهي باستطاعتي ، لأن الإسلام يكون باختياري.
صحيح أنك لا تعرف متى يقع عليك الموت ؟ ولذلك تحتاط والاحتياط يكون بأن تظل مسلما حتى يصادفك الموت فِي أي لحظة وأنت مسلم.
إذن.. فقول الله: {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} هو نهي عن الفعل الأول وهو ليس باختيارنا. والحال الذي لنا فيه اختيار هو {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} فكيف نوفق بين الأمرين ؟ إن الموت لا اختيار لأحد منا متى يقع عليه ، ولذلك نأتي إلى الأمر الذي لنا فيه اختيار ، وهو أن نحرص على أن نكون مسلمين ، ويظل كل منا متمسكا بأهداب الإسلام ، فإن صادف الموت فِي أي لحظة يكون مسلما وكأن الحق سبحانه يقول لنا: تمسكوا بإسلامكم ؛ لأنكم لا تدرون متى يقع عليكم الموت.