إن قيل: لِمَ قال أولاً: (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ) ، ثم قال: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ)
وجعل بين الكلمتين و (اتَّقُوا اللَّهَ) ؟
قيل: لما كان القصد في
عبادة الله إلى الاعتصام به ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتقوى عقبه
بقوله: و (اتَّقُوا اللَّهَ) ، ولما كان حقيقة التقوى فعل الطاعات.
ولا سبيل للإِنسان إلى معرفة ذلك إلا بحبل الله: أي كتابه ورسله
أمر أن يعتصموا بحبله ليتوصلوا إلى تقواه ، ومن تقواه إلى
الاعتصام به ، ومن توصل إلى الاعتصام ، ثم إلى التوكل ، ثم إلى
الإِسلام استغنى حينئذ عن الوسائط ، الذين هم حبل الله ، ويصير
ممن قال - صلى الله عليه وسلم - فيه حكاية عن الله:"فإذا أحببته كنت سمعه"، الخبر.
وقوله: (وَلَا تَفَرَّقُوا) حث على الألفة والاجتماع ، الذي هو
نظام الإيمان واستقامة أمور العالم ، وقد فضل المحبة والألفة على
الإِنصاف والعدالة ، لأنه يحُتاج إلى الإِنصاف حيث تفقد المحبة.
ولصدق محبة الأب للابن صار مؤتمنا على ماله ، والألفة أحد ما شرف الله
به الشريعة سيما شريعة الإِسلام ، ولهذا قال: (لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) .
وقال: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) ، وقال - صلى الله عليه وسلم -:"لا تقاطعوا ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخواناً"،
وقال:"من شذَّ شذَّ فِي النار".
ولطلب الألفة شُرع الاجتماعات فِي المساجد والجمع والجماعات والأعياد.
وقوله: (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ) أي على ما يؤدِّيكم إلى
النار ، وهو خطاب عام للمسلمين كافة ، وإن كان قد جعله
بعضهم خاصًّا للأوس والخزرج على ما تقدم ذكره ، وبعضهم
جعله للعرب ، وأنهم كانوا فِي شدة وعُري وجوع وتقاتُل