وما يؤدي إلى فساده فواجب علينا تركه ؟ وإما أنه حرَّم ذلك تقربا إلى الله كما يُحرم الصائم الطعام ، وكما يُحرم المعتكف على نفسه بعض التصرفات ، ولم يكن تحريم النبي - صلى الله عليه وسلم - علي أحد هذين الوجهين ، بل لما ذكره تعالى: (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) ، ولأن فِي تحريم النبي - صلى الله عليه وسلم - تضييع حق متعلق به للغير ، وهو حق الجارية. وليس ذلك فِي فعل إسرائيل ، وأيضاً فإن
إسرائيل لما حرَّم أشهى الطعام إليه قصد بذلك قمع الشهوة ، وبنحو
ذلك يهذب الحكيم نفسه ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - فِي تحريم جاريته تبع هوى غيره ، وهو مرضاة أزواجه ، وذلك مكروه ، فلم يقرَّ عليه ،
ذكر بعض الصوفية أن فِي ذلك تفضيلًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - من وجهين.
أحدهما: أنه لما حرَّم إسرائيل على نفسه ما أحبه أمضاه ، وحرم
النبي - صلى الله عليه وسلم - على نفسه فعافاه.
والثاني: أن بني إسرائيل ما كانوا يلتزمونه مما لم يكن قربة فِي الشريعة يلزمهم الوفاء به تشديدا عليهم ، وعلى ذلك دل قوله: (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ)
وقال - صلى الله عليه وسلم -:"شددوا على أنفسهم فشدد الله"
عليهم"، ورُفِعَ عن هذه الأمة ذلك فضيلة للنبي - صلى الله عليه وسلم - . إن قيل: ما وجه اتصال هذه الآيات بعضها ببعض ، لأنه ذكر أولا:"
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ) الآيتين ثم ذكر: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) ثم عقبها بتحريم إسرائيل الطعام ، وذم اليهود ؟
قيل: لما ذكر فِي الآيتين المتقدمتين ذم اليهود وغيرهم من الكفار.
وبين أن انفافهم مع كفرهم غير مقبول منهم ، وصل ذلك بقوله:
(لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ) ، لئلا يقرر أن الانفاق غير مغنٍ على جميع
الوجوه ، فقال: وأنتم أيها المؤمنون إذا أنفقتم فإنما نقبل منكم