على هذا الشرط ، ثم رجع إلى ذم اليهود وتعديد ما ارتكبوه.
فصار قوله: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ) بين الآيتين من الاعتراض
المسمى فِي كتب البلاغة الالتفات.
قوله تعالى: (فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(94)
الافتراء والاختلاق: افتعال للكذب الذي لا أصل له ، من افتراء الأديم واختلاقه.
والكذب ضربان:
اختراع قصة لا أصل لها وزيادة ، أو تغيير فيما له أصل.
والأول أعظمهما ، والمُفترى عليه ضربان: رفيع ووضيع.
فالمفتري على الرفيع أعظم ذنبا ، ثم المفتري له ضربان: عارف بالفرية.
وجاهل بها ، فالمفتري العارف بالفرية أوقحهما وجهاً ، فبين الله
تعالى بالآية أنهم اختلقوا الكذب على الله تعالى ، الذي يعلم السر
وأخفى ، وفعلوا ذلك بعد أن أطلع الله الناس على كذبهم ، وبين
أن متخذي ذلك فِي نهاية الظلم ، وعلى ذلك فِي غير موضع:
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) .
قوله تعالى: (قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(95)
معنى قوله: قل اعتقد وأخبر أن ذلك من قول الله
تعالى ، وهو صادق. وحقيقة قوله: (صَدَقَ اللَّهُ) إقرار بأن الله
قد أخبر ، فإنه إذا ثبت كونه من خبره ثبت. كونه صدقا ، ونبّه أن
ما أخبر من قوله: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا) وسائر ما تقدّم
صدق ، وأنه ملة إبراهيم ، وأوجب عليهم اتباعه فِي تحنّفه أي
في استقامته ، وفي قوله: (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) تعريض بهم.
كأنه قيل: أنتم مشركون فِي اتخاذ بعضكم بعضاً أرباباً ، وإبراهيم لم
يكن مشركاً ، فإذن ليس دينكم دين إبراهيم ، وكما نفى في
قوله: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا) أنه منهم نفى فِي هذه
الآية كونه مشركا.