فقالت: والله لموتي معك على هذي الحال، آثر عندي من انتقالي إلى غيرك، ولو كان ملكاً، ولكن اصنع ما بدا لك.
قال: فخرج وعرضها للبيع فأشار عليه أحد أصدقائه ممن له رأي بحملها إلى عمر بن عبيد الله بن معمر، وكان أميراً بالعراق. قال: فحملها إليه فلما عرضت عليه استحسنها، وقال لمولاها: كم كان شراؤها عليك؟ قال: مائة ألف درهم، وقد أنفقت عليها مائة ألف دينار. قال: أما ما أنفقت عليها فغير محتسب لك به لأنك أنفقتها في لذاتك. وأما ثمنها فقد أمرنا لك بمائة ألف درهم وعشرة أسفاط ثياب وعشرة أرؤس من الخيل، وعشرة من الرقيق، أرضيت؟ قال: نعم أرضى الله الأمير. وأمر بالمال فأحضر وأمر قهرمانته بإدخال الجارية إلى دار الحرم، فأمسكت بجانب الستر وبكت وقالت:
هنيئاً لك المال الذي قد أفدته ... ولم يبق في كفي غير التحسر
أقول لنفسي وهي في كرباتها ... أقلِّي فقد بان الحبيب أو أكثري
إذا لم يكن للأمر عندك حيلة ... ولم تجدي بُدًّا من الصبر فاصبري
فأجابها مولاها يقول:
ولولا قعود الدهر بي عنك لم يكن ... يفرقنا شيء سوى الموت فاعذري
أروج بهم من فراقك موجع ... أناجي به قلباً قليل التصبر
عليك سلام لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر
فقال ابن معمر: قد شئت فخذها بارك الله بك فيها، وفيما صار مني إليك، فأخذها وأخذ المال والخيل والرقيق والثياب، وعاد وقد أثرى وحسنت حاله.
(حكاية)
لما حضرت عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الوفاة دعا بنيه، وكانوا أحد عشر ابناً وكان عنده مَسلمة بن عبد الملك، ولم يخلِّف غير بضعة عشر ديناراً فأمر أن يكفن ويشرى له موضع يدفن فيه بخمسة دنانير ويفض الباقي على ورثته. فأصاب كل ابن نصفاً وربع دينار. فقال: يا بني ليس لي مال فأوصي فيه، ولكني قد تركتكم وما لأحدٍ قِبَلكم تَبعة، فلا تقع عين أحد منكم على أحد إلا ويرى له عليكم حقاً.
قال له مسلمة: أَوَخير من ذلك يا أمير المؤمنين. قال: وما هو، قال: هذه ثلاثمائة ألف دينار فرِّقها فيهم، وإن شئت فتصدق بها. قال: أَوَخير من ذلك يا مسلمة قال: وما هو؟ قال تردها إلى من أخذتها منه، فإنها ليست لك بحق، فقال له مسلمة: رحمك الله يا أمير المؤمنين حياً وميتاً، فقد ألنت منا قلوباً قاسية، وذكرتها وإن كانت ناسية، وأبقيت لنا في الصالحين ذكراً، فيقال إنه ما روئي قط أحد من أولاد عمر بن عبد العزيز إلا وهو غني.