وَأَنْ يَتَخَيَّرَ الأَجْوَدَ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تيمموا الخبيث منه تنفقون} . وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: إِذَا جَعَلَ أَحَدُكُمْ للَّهِ شَيْئًا فَلا يَجْعَلْ لَهُ مَا يَسْتَحِي أَنْ يَجْعَلَ لِكَرِيمِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَكْرَمُ الْكُرَمَاءِ وَأَحَقُّ مَنِ اخْتِيرَ لَهُ.
ثُمَّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إِخْرَاجُ الْمَحْبُوبِ فِي زَمَانِ صِحَّةِ الْمُعْطِي وَزَمَانِ فَاقَةِ
الْمُعْطَى، وَلْيُقَدِّمِ الأَقْرِبَاءَ وَيُقَدِّمْ مِنَ الأَقَارِبِ مَنْ لا يَمِيلُ إِلَيْهِ بِالطَّبْعِ. فَفِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:"أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ الصَّدَقَةُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ."
وَلْيُخْرِجِ الْمُعْطِي مَا سَهُلَ وَإِنْ قَلَّ. فَقَدْ رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه سئل: أي أي الصدقة أفضل؟ فقال: جهداً الْمُقِلِّ"."
وَقَالَ الْحَسَنُ: أَدْرَكْنَا أَقْوَامًا كَانُوا لا يَرُدُّونَ سَائِلا إِلا بِشَيْءٍ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ فَيَأْمُرُ أَهْلَهُ أَلا يَرُدُّوا سَائِلا.
وَمِنْ آدَابِ الْعَطَاءِ أَنْ يَكُونَ سرا، فإن صدقة السر تطفئ غَضَبَ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَيْرٍ: الصَّلاةُ تُبْلِغُكَ نِصْفَ الطَّرِيقِ وَالصَّوْمُ يُبْلِغُكَ بَابَ الْمَلِكِ، وَالصَّدَقَةُ تُدْخِلُكَ عَلَيْهِ.
الْكَرِيمُ حُرٌّ لأَنَّهُ يَمْلِكُ مَالَهُ، وَالْبَخِيلُ عَبْدٌ لأَّنَ مَالَهُ يَمْلِكُهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طُبِعَ عَلَى أَشْرَفِ الأَخْلاقَ وَقَدْ وَصَفَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ فَقَالَ:"يَأْبَى اللَّهُ لِيَ الْبُخْلَ"وَأَعْطَى غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَتَحَيَّرَ الَّذِي أَعْطَاهُ فِي صِفَةِ جُودِهِ فَقَالَ: هَذَا عَطَاءُ مَنْ لا يَخْشَى الْفَقْرَ، فَلَمَّا سَارَ فِي فَيَافِي الْكَرَمِ تَبِعَهُ صَدِيقُهُ فَجَاءَ بِكُلِّ مَالِهِ فَقَالَ: مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟ قَالَ: أَبْقَيْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: