لماذا ؟ لأن آفة الرأي الهوى ، وحتى المنحرفون يعرفون القصد السليم ، لكن الواحد منهم ينحرف لما يهوى ، ودليل معرفة المنحرف للقصد السليم أنه بعد أن يأخذ شرّته فِي الانحراف يتوب ويعلن توبته ، وهذا أمر معروف فِي كثير من الأحيان ؛ لأن الميل تَكَلَّفٌ تبريري ، أما القصد السليم فأمر فطري لا يُرهِق ، ومثال ذلك: عندما ينظر الإنسان إلى حلاله ، فإنه لا يجد انفعال ملكة يناقض انفعال ملكة أخرى ، ولكن عندما ينظر إلى واحدة ليست زوجته ، فان ملكاته تتعارك ، ويتساءل: هل ستقبل منه النظرة أم لا ؟ إن ملكاته تتضارب ، أما النظر إلى الحلال فالملكات لا تتعب فيه. لذلك فالإيمان هو اطمئنان ملكات ، فكل ملكات الإنسان تتآزر فِي تكامل ، فلا تسرق ملكة من وراء أخرى.
مثال آخر: عندما يذهب واحد لإحضار شيء من منزله ، فإنه لا يحس بتضارب ملكاته ، أما إذا ذهب إنسان آخر لسرقة هذا الشيء فإن ملكاته تتضارب ، وكذلك جوارحه ؛ لأنها خالفت منطق الحق والاستقامة والواقع.
{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} إذن فاتباعهم للمتشابه منه ليؤوّلوه تأويلاً يخالف الواقع ليخدموا الزيغ الذي فِي قلوبهم. فالميل موجود عند قلوبهم أولاً ثم بدأ الفكر يخضع للميل ، والعبارة تخضع للفكر ، وهكذا نرى أن الأصل فِي الميل قد جاء منهم.. ولننظر إلى أداء القرآن الكريم حين يقول:
{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5] .
كأنه يقول: مادمتم تريدون الميل فسأميلكم أكثر وأساعدكم فيه. والحق سبحانه لا يبدأ إنساناً بأمر يناقض تكليفه ، لكن الإنسان قد يميله هواه إلى الزيغ ، فيتخلى الله عنه: ويدفعه إلى هاوية الزيغ.
وآية أخرى يقول فيها الحق: