لم يقل الحق: إنهما آيتان ؛ لأن عيسى عليه السلام لم يوجد كآية إلا بميلاده من أمه دون أب أي بضميمة أمه ، وأم عيسى لم تكن آية إلا بميلاد عيسى أي بضميمة عيسى. إذن فهما معاً يكونان الآية ، وكذلك {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} فالمقصود بها ليس كل محكم أُمّا للكتاب ، إنما المحكمات كلها هي الأم ، والأصل الذي يَرُدُّ إليه المؤمن أيَّ متشابهٍ. ومهمة المحكم أن نعمل به ، ومهمة المتشابه أن نؤمن به ؛ بدليل أنك إن تصورته على أي وجه لا يؤثر فِي عملك.
فقوله الحق: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} لا يترتب عليه أي حكم ، هنا يكفي الإيمان فقط.
لكن ماذا من أمر الذين قال عنهم الله: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} ؟. ولنا أن نعرف أن"الزيغ"هو الميْل ، فزاغ يعني مال ، وهي مأخوذة من تزايغ الأسنان ، أي اختلاف منابتها ، فسنَّةٌ تظهر داخلة ، وأخرى خارجة ، وعندما لا تستقيم الأسنان فِي طريقة نموها يصنعون لها الآن عمليات تجميل وتقويم ليجعلوها صفاً واحداً.
إن الذين فِي قلوبهم زيغ أي ميل ، يتبعون ما تشابه من الآيات ابتغاء الفتنة. كأن الزيغ أمر طارئ على القلوب ، وليس الأصل أن يكون فِي القلوب زيغ ، فالفطرة السليمة لا زيغ فيها ، لكن الأهواء هي التي تجعل القلوب تزيع ، ويكون الإنسان عارفاً لحكم الله الصحيح فِي أمر ما ، لكن هوى الإنسان يغلب فيميل الإنسان عن حكم الله. والميل صنعة القلب ، فالإنسان قد يخضع منطقه وفكره ليخدم ميل قلبه ، ولذلك فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به"