ومعنى {يَغُضُّواْ} و {يَغْضُضْنَ} أنه سبحانه حدد حركة العين ، ومثال آخر ؛ اليد تتحرك فيأمرك - سبحانه - ألاّ تحركها إلا فِي مأمور به ، فلا تضرب بها أحداً ، ولا تشعل بها ناراً تحرق وتفسد بل أشعل بها النار لتطبخ مثلاً.
إذن فهو سبحانه يأتي فِي"افعل ولا تفعل"ويحدد شهوات النفس فِي الفعل أو الترك ، فإن كانت شهوة النفس بأنها تنام ، يقول الأمر التعبدي: قم وصل ، وإن كانت شهوة النفس بأنها تغضب يقول الأمر الإيماني: لا تغضب.
إذن فالحكم إنما جاء بافعل ولا تفعل لتحديد حركة الإنسان ، فقد يريد أن يفعل فعلاً ضاراً ؛ فيقول له: لا تفعل ، وقد يريد ألاّ يفعل فعل خير يقول له: افعل. إذن فكل حركات الإنسان محكومة بـ"افعل ولا تفعل"، وعقلك وسيلة من وسائل الإدراك ، مثل العين والأذن واللسان. إن مهمة العقل أن يدرك ، فتكليفه يدعوه إلى أن يفهم أمراً ولا يفهم أمرا آخر ، وجعل الله الآيات المحكمات ليريح العقل من مهمة البحث عن حكمة الأمر المحكم ؛ لأنها قد تعلو الإدراك البشري. ويريد الحق أن يلزم العبد آداب الطاعة حتى فِي الشيء الذي لا تدرك حكمة تشريعه ، وأيضا لتحرك عقلك لترد كل المتشابه إلى المحكم من الآيات. وإذا قرأنا قول الحق:
{لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103] .
نرى أن ذلك كلام عام. وفي آية أخرى يقول سبحانه:
{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22 - 23] .
ويتكلم عن الكفار فيقول:
{كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15] .