الْبَيّنَات وإلا فمشيئة هدى النَّاس بنصب الدلائل وإنزال الكتب وإرسال الرسل متحققة ولم
يقل عدم الاقتتال مع أن الْمَذْكُور في الْمَعَاني أن مَفْعُول المشيئة المقدر ما دل عليه الْجَزَاء
كما في ( [وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ] ) أي ولو شاء الله هدايتكم؛ لأن الإعدام الأَزَليَّة لا يتعلق بها
الإرادة وإلا لكانت حادثة مع أن ما ذكره مآل عدم الاقتتال لأن مشيئة عدم الاقتتال لو
تعلقت به من جملة مشيئة هدايتهم أو من متفرعات مشيئة هدايتهم فظهر بذلك أن ما قاله
صاحب الإرشاد من قوله أي لو شاء الله عدم اقتتالهم ما اقتتلوا ثم قوله: وقيل تقديره لو شاء
هدى النَّاس جَميعًا ما اقتتل الخ. وليس كَذَلكَ ذهول عن عدم تعلق المشيئة والإرادة
بالإعدام الأَزَليَّة كما حققه سيد المحققين في شرح المواقف، والْمُرَاد به كونهم متفقين عَلَى
كلمة الحق المنفق عليها الرسل الكرام عليهم السلام.
قوله: (من بعد ما جاء تهم الْبَيّنَات) متعلق باقتتل و (ما) مصدرية. وقيل يجوز أن
يكون بدلًا من الأول؛ إذ معناه من بعد مجيء الرسل إليهم ومن الأولى متعلق بمَحْذُوف أي
(الَّذينَ جاءوا من بعدهم) .
قوله: (المعجزات الواضحة لاخْتلَافهم في الدين وتضليل بعضهم بعضًا) لاخْتلَافهم
متعلق بالمنفي وهو اقتتل. قوله وتضليل الخ. عطف المعلول عَلَى العلة ومنشأ الاقتتال.
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
الكَشَّاف ولو شاء الله مشيئة إلجاء وقسر. هذا عَلَى أصل الاعتزال. قال بعض الفضلاء: إنما قدر مشيئة
القسر لوَجْهَيْن: أحدهما أن قَوْلُه تَعَالَى: (لو شاء الله ما اقتتل الَّذينَ) لا يستقيم في
الظَّاهر عَلَى مذهب المعتزلة؛ لأن إرادة الله تَعَالَى عندهم ليست بمقتضية للأفعال لأن الله تَعَالَى يريد
الطاعة ولا تحصل ويكره المعاصي وتحصل فلا يترتب عدم القتال عَلَى مشيئة الله تَعَالَى فلهذا
خصص بالمَشيئة المجبرة فإنه لو لشاء الله وأجبرهم عَلَى ذلك أي عَلَى عدم القتال لوقع عدم القتال
الثاني أن لو لانتفاء الثاني لانتفاء الأول فيلزم أنهم اقتتلوا والله تَعَالَى ما شاء عدم قتالهم وليس
كَذَلكَ لأن الله تَعَالَى أراد عدم اختلافهم واقتتالهم فقيد المشيئة بالإجبار حتى أن الله تَعَالَى لم يشأ
مشيئة مجبرة ونفي الخاص لا يستلزم نفي العام. قال الرَّاغب: إن قيل ما الفرق بين المشيئة والإرادة.
قيل: أكثر المتكلمين لم يفرقوا بَيْنَهُمَا وإن كانتا في أصل اللغة مختلفتين وذلك أن المشيئة من شيء
والشيء اسم للموجود فالمشيئة قصد إلَى إيجاد شيء ثم يقال شاء كذا أي أوحده بعد أن لم يكن
موجودًا، وأما الإرادة فمصدر أراد أي طلب وأصله أن يتعدى إلَى مَفْعُولَيْن لكن اقتصر عَلَى أحدهما
في التعارف وفي الأصل لا يقال إلا لأن يطلب ممن يصح منه الطلب فإن ترك منه هذا الاعتبار في
التعارف صار لطلب الشيء والحكم بأنه يَنْبَغي أن يفعل أو لا يفعل وإذا استعمل في الله تَعَالَى فهو
للحكم دون الطلب؛ إذ هُوَ تَعَالَى منزه عن الوصف بذلك. وقال بعض الأفاضل: ظَاهر الآية مع
الْمُتَكَلّمينَ لأن الْمَعْنَى ولو شاء اللَّه ما اقتتلوا ولكن الله شاء ذلك فاقتتلوا، والله يفعل ما يشاء فوضع
موضعه ما يريد مراعاة للفواصل.