ونقول: بلى، جوابًا عن كل من السؤالين، ولكن هل ردة المرتد مسألة شخصية تمامًا لا تمس الجماعة التي كان يؤمن بدينها، فهل عقوبتها تتناقض مع مبدأ حرية العقيدة التي تقرره الآية؟
فرق بين موقفين: موقف يرفض فيه صاحبه من البداية -وهو غير مسلم- أن يدخل في الإِسلام، وموقف يرتد فيه صاحبه عن الإِسلام بعد أن دخل فيه.
الموقف الأول يقر الإِسلام صاحبه، ويحمي حقه الكامل في البقاء على حاله التي هو عليها، بل في تغييرها إلى أي دين آخر يختاره غير الإِسلام، وهنا يتجسد المبدأ العظيم {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} تجسيدًا لا شبهة فيه. وإقرار الإِسلام لمثل هذا يحتسب له، ويشاد به من أهله.
أما الموقف الآخر فليس كذلك، لم يعد موقفًا شخصيًا خالصًا، ولم يعد الأمر فيه قاصرًا في آثاره على صاحبه؛ لقد دخل في الإِسلام طوعًا، فلماذا ارتد عنه؟ إنه أبسط سؤال يترتب على ردته؟، وهو سؤال ينطوي على كثير من التشكيك في الإِسلام، وإلا ففيم دخل
فيه راضيًا غير مكره ثم خرج منه؟.
ما أخرجه إلا اقتناع بعدم صلاحيته أو بأفضلية غيره عليه، فإذا كان المرتد ممن كانت لهم مكانة وموضع مرموق في الجماعة قويت الشبه واشتد التشكيك؟.
الشبهة الثانية:
يقولون: الإنسان لم يختر بإرادته أن يصبح مسلمًا، ليس إلا أنه وُلد في بيئة مسلمة، فلماذا يُطبَّق عليه حدّ الردة، أليس هذا تناقض مع حرية الاعتقاد المديني؟.
والرد على هذه الشبهة بالآتي:
عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-"مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ"، يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ -رضي اللَّه عنه- واقرءوا إن شئتم: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} (الروم: 30) .