هذا وقد كان معهودًا عند بعض الملل ولا سيما النصارى إكراه الناس على الدخول في دينهم، ثم أكد عدم الإكراه قوله: {قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} أي: قد ظهر أن هذا الدين الرشد والفلاح، وأن ما خالفه من الملل الأخرى غيّ وضلال.
الوجه الثاني: لا تناقض بين الآية وقتل المرتد.
وقد يتساءل البعض: أليست هذه العقوبة مناقضة للحرية الدينية التي أقرها الإِسلام بقوله تعالى {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} ، ولقوله تعالى للنبي الأمين -صلى اللَّه عليه وسلم- {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} ؟.
والجواب: أن الإكراه المنفي في الآيتين إنما هو الإكراه على الدخول في الإِسلام، والإِسلام يريد ممن يدخل فيه أن يكون مخلصًا في طلبه في الدخول فيه؛ مدركًا حقائقه ومزاياه، ولذلك قرن نفي الإكراه في الآية الأولى بقوله تعالى: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ
عَلِيمٌ (256) (البقرة: 256) ، فمن دخل في الإِسلام حرًّا مدركًا، عالمًا الغيّ من الرشد. فليس له من بعد أن ينفصم منه؛ لأنه لن يخرج منه ببينة صادقة وحجة مستقيمة، إنما هو الضلال والتضليل، فإذا حارب الإِسلام اتخاذ الأديان هزوًا ولعبًا وعبثًا وتضليلًا، فإنما يفعل ذلك لحماية حرية الفكر والرأي من هؤلاء العابثين.
وهنا مظنة سؤال: لعل العصر بما يموج فيه من أخلاط الفكر يجعله أكثر إلحاحًا! أليست قضية الاعتقاد مسألة شخصية تمامًا بحيث لا يحق التدخل فيها؟، أليس القرآن نفسه يقرر هذا المبدأ الذي نستند إليه عندما نتحدث عن سماحة الإِسلام: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) } (البقرة: 256) !