وثم شيء آخر يتصل بمعنى الردة وأسلوب التمرد على الدين وجحد تعاليمه، قد يكفر البعض بالله فِي سريرتهم، فلا يعلم أحد بكفرهم، وقد يبدو هذا الكفر فِي تصرفات مستخفية ومواقف مائعة، وتكشف الأحداث المتتابعة عن نفاق أولئك القوم وخبث طويتهم، ومع ذلك فإن الإسلام لم يأمر بقتل هؤلاء، بل المأثور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - رفضه الإذن بقتلهم.
ولكن الارتداد الحاسم عن الإسلام ومعالنة المسلمين بالانفصال عن الدين معالنة تنطوى على النيل من قواعده والإنكار لأصوله تشبه فِي أيامنا هذه جريمة الخيانة العظمى وتستحق العقاب الذي تواضع الناس على رصده لهذه الجريمة المنكرة.
فإن الإسلام كان يواجه حربا تستهدف اجتثاث جذوره، حربا تريد رد جمهور المسلمين عن الدين الذي ارتضوه.
"ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم فِي الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون".
"ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ...".
وكان المرتد المعالن يترك هذه الجبهة لينحاز بسيفه إلى الجبهة المناوئة، وربما كان أشد خطرا على الدين ممن بقوا على شركهم فلم يدخلوا الإسلام لينسلخوا عنه بعد قليل!.
فكيف يطلب من الإسلام أن يمنح هؤلاء المرتدين حق الحياة ليشاركوا فِي قتله.
إن المسألة هنا خرجت كل الخروج عن نطاق الحرية العقلية المنشودة، ودخلت فِي تحديد الدائرة التي تدفع بها الجماعة عن مصلحتها ضد الحرية الشخصية الطائشة، ويوم يصل الأمر فِي عصرنا هذا إلى حكم يبيح لامرئ أن يبيع وطنه، أو لفرد أن يعرض مستقبل أمة للخطر، فإننا سنبيح باسم الإسلام أن يرتد عن الإسلام من يشاء.
والصحيح أن المرتد أحق الناس بوصف الكفر وأجدرهم بالعقاب عليه فالكفر الصراح هو جحد الحق بعد معرفته، أي أنه ينشأ عن فساد فِي النفس لا عن قصور فِي العقل وهنا مناط المؤاخذة، وهل أحق بها من قوم:"يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون".
ويوم يتبين الهدى لرجل ثم تنزعه بواعث الهوى، ثم تسخره فِي حربه فلا جرم أن يقطع عنقه. انتهى انتهى. {الإسلام والاستبداد السياسى صـ 93 - 94}